مقالات د. الديب

تم تجميع ما يقارب 80 مقالا منها مقالات في التاريخ و مقالات في الفكر و السياسة و التربية و اربع حوارات صحفية

هوامش على تاريخ الحجاج

صار كل من يكتب في التاريخ في عصرنا هذا يذكر ضرب الحجاج للكعبة بالمنجنيق، ويخرج هذا القول مخرج الخبر الثابت الذي لا شك فيه، ومن هنا لا يكلف نفسه بمناقشة الخبر، والنظر في صحته أو سقمه، بل صار هناك منهج عجيب، يجعل شيوع الخبر على ألسنة العامة دليلاً على صحته، وعلى هذا المنهج جرى معظم الأدباء حينما يتناولون التاريخ بأسلوب القصة أو المسرحية ، ولذا رأينا قضية ضرب الكعبة بالمنجنيق - لبشاعتها - مجالاً للتصوير بأقلام الأدباء، والتلوين ببراعتهم وفنهم، ويُعرض هذا بأبلغ صوره، وأفظع هيئة على المشاهدين، فتقشعر لها الأبدان، وتغلي النفوس، ويبوء الحجاج بما يستحقه بسبب هذا الجرم الشائن، وهو بالقطع بريء من هذا.شيخ الإسلام ينفي هذايقول شيخ الإسلام بن تيمية: "ومن قال إن أحدًا من خلق الله قصد رمي الكعبة بمنجنيق أو عذرة، فقد كذب، فإن هذا لم يكن في الجاهلية ولا في الإسلام، والذين لا يحترمون الكعبة كأصحاب الفيل والقرامطة لم يفعلوا هذا، فكيف بالمسلمين الذين يعظمون الكعبة!! ولما قُتل ابن الزبير، دخلوا بعد هذا إلى المسجد الحرام، فطافوا بالكعبة، وحج بالناس الحجاجُ بن يوسف ذلك العام، وأمره عبد الملك بن مروان ألا يخالف عبد الله بن عمر في أمر الحج، فلو كان قصدهم بالكعبة شرًّا، لفعلوا ذلك بعد".انتهى كلام شيخ الإسلام بنصه.وهذا هو الكلام الذي يقتضيه عقل العقلاء المنصفين، ولا يُمليه تحامل المتحاملين، وبغضاء المبغضين.فلو قصد الحجاج الكعبة بالمنجنيق، وضربها من هذا الارتفاع الشاهق، من فوق جبل أبي قبيس، فهل كان يبقى منها حجر فوق حجر - والعياذ بالله - وهل يقبل العقل أن مسلمًا يصلي الخمس مستقبل القبلة يفعل هذا ؟ ولو فرضنا جدلاً أن الحجاج انسلخ من الدين – حاشاه – وأراد بالكعبة شرًّا، فهل كان جنوده وأركان حربه كلهم مثله؟ أيقبل عقل عاقل أن يرتد عن الإسلام جيش الحجاج بكامله، فلا يوجد فيهم من يصيح في وجه الحجاج: ويلك يا عدوَّ الله؟ أم تراهم كانوا خانعين خاضعين أذلاءيضربون الكعبة التي يعظمونها ويصلّون إليها ولا يستطيعون أن يقولوا للحجاج: لا ؟ أيصح هذا في عقل عاقل ؟؟سيقول قائل: ولكن المنجنيق قد نصب، والضرب قد حدث، فهل تنكرون ذلك؟؟ونقول: فرقٌ كبير، وبونٌ شاسع بين أن يقال: نصبت المنجنيق لضرب ابن الزبير، وأن يقال: نصبت لضرب الكعبة. فرق كبير وبون شاسع بين أن يقال: ضرب الحجاج معسكر ابن الزبير بالمنجنيق، وأن يقال: ضرب الكعبة بالمنجنيق.وشاهدٌ من مآسي عصرنا..في فجر اليوم الأول من المحرم سنة 1400هـ فوجئ المصلُّون بجماعة تبايع شخصًا بين الملتزم والحجر الأسود على أنه المهدي المنتظر، ورفعوا السلاح، وغلقت أبواب الحرم، دوّى الرصاص في أرجائه، ونادى هؤلاء المعتصمون بالحرم كل الحكام والمسؤولين بالسمع والطاعة والبيعة لهذا (المهدي)!!!وكان ما كان من حصار هؤلاء في داخل الحرم، واستخدام أفانين وضروب من الأسلحة لفك أسر الرهائن من المصلين والطائفين الذين أغلقوا عليهم أبواب الحرم أولاً، ثم لتطهير الحرم منهم ثانيًا.كان ما كان مما تقشعر الأبدان لذكره!! فهل يقول قائل: إن الحكومة قصفت الحرم بالقنابل، وأحرقته بالغازات، وهدمته بالدبابات؟؟ حاشا لله!!هذه حادثة عشناها، ورأيناها، وأحاط الجميع بها خبرًا، وهي تشبه واقعة ابن الزبير تمامًا، فكلاهما لاذ بالحرم، وكلاهما لقي مقاومة من السلطان حتى استسلم ، وفي الحالين كانت دماء وقتلى في داخل الحرم ، فلماذا موقف الحجاج وحده يفسَّر بأنه عدوان على الكعبة بالمنجنيق؟؟ ولماذا هذه البشاعة في تصوير موقف الحجاج؟ واتهامه بكائنةٍ لا تكون من مسلم يقول:لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، هل أدمنَّا جَلْد ماضينا؟ هل صار تشويه تاريخنا متعة لنا، وملهاة نتلهى بها عن واقعنا البئيس ؟ ثم هل من حق من يتناول التاريخ في عمل أدبي أن يخترع أحداثًا لم تكن؟؟ ( للحديث بقية )

د. عبد العظيم الديب

التاريخ.. وسلطان العاطفة

لا أحد ينكر سلطان العاطفة ـ أية عاطفة كانت ـ على الإنسان، فأنت تستطيع أن تحاور صاحب فكرة حول فكرته، أو تجادل صاحب رأي حول رأيه، وقد تنجح ـ إذا أحسنت تقديم الأدلة والبراهين ـ أن تصرف صاحب الفكرة عن فكرته، أو صاحب الرأي عن رأيه.   أما صاحب العاطفة فهيهات هيهات، لن تستطيع أن تحوّل من يحب أو يكره، عن حُبّ ما يحبه، أو كراهية ما يكره، أو تحوّل من يزدري ويحتقر إلى احترام وتقدير ما يزدريه أو يحتقره!!  وسبب ذلك أن العاطفة غيرُ الرأي والفكر، فالعاطفة تتكون بهدوء، وعلى مدًى طويل، فالعاطفة أمرٌ معقّد مركّب، ذلك أنها تبدأ بالإدراك والشعور والميل والنزوع، ثم ترتقي حتى تصبح عاطفة تنشب في القلوب، وتصبح محل حماية ورعاية، ويصعب مناقشة صواب موضوعها أو خطئه، ويصبح بديهية من البديهيات، ومسلمة من المسلّمات.  ومن ثم تصبح هذه العاطفة هي الموجه لتصرفات صاحبها، والدافع له نحو كل ما يُشبعها ويستجيب لها، وبالتالي النفور والمقاومة لكل ما يضادها أو يخالفها، وأصدق ما يصور ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حبك الشيء يُعمي ويصمّ" (رواه أبو داود في سننه، وسكت عنه، وقال الحافظ العراقي: يكفينا سكوت أبي داود).  وأحب أن أؤكد هنا أن العاطفة ليست بالضرورة نقيضاً للعقل، فالعاطفة لا تُبنَى، ولا تنمو، ولا تنشأ إلا عن مجموعة من الخبرات، والإدراكات، والإنكار، والآراء، فإذا صحت هذه الأفكار، وصدقت هذه الآراء، نشأت عنها عاطفة سليمة قويمة، تدفع إلى الطريق الصحيح، والموقف الصائب.  فإذا صح عندك هذا، وأدركْت مدى سلطان العاطفة، فاعلم أن دراستنا للتاريخ الإسلامي المبْتسرة الممزّقة، قدّمت لنا معلومات منقوصة، وأخبارًا مبتورة، وأحداثًا مختلقة، وساندتها وسائل الإعلام المختلفة بالأفلام والمسلسلات والمقالات، وبالتكرار واللجاجة، والإلحاح نشأ من ذلك كله صورة شوهاء عن تاريخنا الإسلامي، استقرت في أذهان مثقفينا عامة، وعنها نشأت عاطفةُ نفور، بل ازدراء وكراهية للتاريخ الإسلامي في مجمله، وخرجت قضية تصحيح التاريخ الإسلامي من مرحلة تصويب أفكار وتصحيح معلومات إلى تعديل عواطف وتصحيح ميول واتجاهات، وهيهات هيهات.  ولكي تدرك صحة ما أقول حاول في مجلسٍ من مجالس المثقفين، أهل الفكر والنظر، ولْيكونوا من الإسلاميين: العلماء والدعاة والمنظّرين، حاول في مجلسٍ أن تذكر تشويه التاريخ الإسلامي، وأن تتحدث عن وجهه المضيء، وإنجازات بني أمية، وحضارة بني العباس، وعدل معاوية، وفقه عبد الملك بن مروان، وورع الرشيد، وعلم المأمون، وجهاد المماليك، وفتوحات الأتراك...الخ  إنك أن فعلت ذلك ستجدهم يستقبلون حديثك بفتور، ولا يكادون يطيقونه، ويتملْملون، مما يجعلك مضطراً إلى إيجاز كلامك والإمساك عنه.  ثم إذا سكتّ وأمسكت، ستجد من ينبري لك مادّاً قامته رافعاً هامته، يحدثك عن (الموضوعية) في كتاب التاريخ، و(الأخطاء) و(السلبيات) وضرورة ذكرها (للعظة) و(الاعتبار) وعن (المآسي) و(الظلمات) في تاريخنا. ولا تهدأ (مشاعره) حتى يذكر من وقائع هذا التاريخ ما تقشعر منه الأبدان.  ثم لا ينسى أن يغمزك، ويسفه حديثك، فيتكلم عن (السذاجة) في محاولة كتابة التاريخ الإسلامي على أنه كله (إيجابيات) وننسى (السلبيات).  ثم حاول مرة ثانية ـ في هذا المجلس نفسه ـ أن تستفتح حديثاً عن المستشرقين، وتكلم عن أفاعيلهم في خدمة الاستعمار والتبشير، وعن أثرهم في تخريب ثقافة الأمة، وتدمير جهاز تفكيرها، وأن منهم من كان يحمل رتباً عسكرية في الجيوش التي حطمت الخلافة، وكان من قادة الفيلق الذي دخل القدس عام 1917م وهو يقدم بين يديه صفوفاً من الكرادلة، ورجال الإكليروس، يتلون صلواتهم، وأهازيجهم، احتفالاً بتحقيق الغاية من الحروب الصليبية وسقوط القدس.   ثم انظر وانتبه لمشاعر (هؤلاء العلماء والدعاة والمنظّرين) وهم يستمعون منك هذا الكلام عن المستشرقين، وقارن بينها وبين مشاعرهم عندما كنت تتكلم عن إشراقات التاريخ الإسلامي.  سنجدهم أيضاً يتململون، وقد لا يطيقون استمرارك في الحديث، بل سيقاطعك قائلهم:" لا نريد أن نكون متحيزين"، وآخر يكمل:"ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا" ثم يتسابقون إلى الحديث عن خدمات المستشرقين للقرآن الإسلامي، وعن تحقيقهم لهذا الكتاب أو ذاك، وعن (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث)، وعن (مناهجهم) و(موضوعيتهم)...الخ  وستجد من يصفك (بالحدّة) وآخر (بالعنف) وآخر يسوقها لك في صورة دعابة: (يا أخي أنت متطرف). والفرق بين الموقفين هو (العاطفة)، فالذين لم يتحملوا التقدير والثناء على تاريخنا ورجاله هم بأعينهم الذين لم يطيقوا إدانة المستشرقين، وكشف جرائمهم، ووراء ذلك في الحالتين كانت (العاطفة).  ***  هذه صورة لمواقف (حقيقية) وقعت فعلاً، وآخرها حدث من عدة أسابيع، عندما جمعتنا جلسة ضيقة هادئة، ضمت عدداً ممن يعملون بالدعوة، ويعيشون لها، وكان من بينهم بعض قادة الفكر والتنظير، وجرى الحديث ـ بالطبع ـ حول هموم الأمة ومآسيها، وعن التيارات الفكرية التي تتجاذبها، وكان لا بد أن ننعطف نحو التاريخ، فالأمم الواعية تُهرع إلى تاريخها تستلهم منه العظات والعبر، فكان مما قلتُ: إننا ظلمنا تاريخنا ظلمًا بيّنًا، وقرأناه على غير وجهه، فالأتراك العثمانيون الذين شهد لهم المؤرخون الغربيون بالعدل والتسامح، نشأنا نحن على تبشيع أمرهم، ووصفهم بالجهل والظلم، وأنهم جاءوا بلادنا العربية غزاة قساة، ومستعمرين طغاة، ضربوا علينا أسوار الجهل والتخلف حتى استيقظنا على طلقات مدافع نابليون.  مع أن القراءة الصحيحة لتاريخنا تؤكد أنهم ما جاءوا إلى مصر والشام والجزيرة إلا لحماية البحر الأحمر من هجمات البرتغاليين التي تكررت على جدة بقصد الاستيلاء على الحرمين الشريفين، ثم تطرّقتُ إلى نُتفٍ سريعة موجزة عن مواقف بعض الصحابة في الفتنة فُهمت على غير وجهها...  وكما توقعتُ، وجدتُ التململ، وعدم الإقبال، بل والنفور، فأمسكتُ عن الحديث، وهنا انبرى أخ كريم وأستاذ جليل قائلاً في حدّة ظاهرة: لا بدّ من ذكر الأخطاء والمآسي في التاريخ الإسلامي، ولا بد عند كتابة التاريخ من ذكر (السلبيات) وعدم الاكتفاء (بالإيجابيات).  فقلتُ: إننا أبداً لا يمكن أن نتخلى عن المنهج العلمي الصارم بكل ضوابطه عند كتابة التاريخ، ولكن الأستاذ الجليل ظل في حدته بل غضبه يكرر لا بد من ذكر الأخطاء والسلبيات ـ ولم يكفه قولي بالإلتزام بالمنهج العلمي ـ ثم أردف قائلاً:"يعني الأتراك اللّي بتتكلّم عنهم دُول كان الواحد منهم عندما يتولّى الخلافة يقتل كل أخواته" قالها هكذا باللهجة، ثم ظهر عليه الارتياح، وكأنه اشتفى من الأتراك الذين لم يطق أن يذكروا أمامه بخير.    وأنبه هنا إلى أمور: 1ـ إن حديثه هذا لقي قبولاً وارتياحاً لدى صحيح الحاضرين (وإن يكن بدرجات متفاوتة).  2ـ أنني لم أقل أبداً: إننا لا نذكر الأخطاء، فكيف فُهم من كلامي أننا لا نذكر الأخطاء؟؟  3ـ أن بناء عبارته وألفاظها (الأتراك اللّي بتتكلّم عنهم دول) هذا البناء يدل دلالة واضحة على مخزون البغض والكراهية والإزدراء للأتراك.  4ـ أؤكد أن الأستاذ الجليل صاحب هذا الموقف ليس وحده، بل هو مثال لكل علماء الإسلام ودعاته (إلا القليل النادر).  5ـ وآخر ما أنبه إليه: أنني لا أحكي هكذا ثالبًا أو عائبًا، فصاحب هذا الموقف أخٌ كريم، وعالم جليل، له جهاده وجهوده، وهو نموذج لأساتذة كبار، أصحاب فضل، تعلمنا منهم وتتلمذنا على أيديهم.  ثم إنني ـ أبداً ـ لا ألوم علماؤنا وأئمتنا، فعذرهم بيّن واضح، فهم لم يعرفوا من تاريخ أمتهم إلا تلك المزق التي تلقوها في التعليم العام، وعلى المناهج التي صيغت بأيدٍ خبيرة ماكرة، صاغها (دنلوب)، ولم يدرس علماؤنا وقادة الرأي فينا إلا ما قدمته له هذه المناهج، التي شكلّت وجدانه، وصاغت عاطفته، ثم كبر الواحد منهم وصار علمًا من الأعلام في فنّه الذي تخصص فيه، وأصبح رمزاً من رموز الفكر، وواحداً من النخبة التي تقود الأمة وتوجهها، ولم تُتحِ له فرصة لمراجعة وتصحيح ما تعلمه، واستقر في ذهنه من صورة مشوهة عن تاريخ أمته، وأحكام خاطئة صارت بمثابة بديهيات غير قابلة للنقاش، ولا هو بمستطيع أن يعيد القراءة والمراجعة لهذه الأمور التي بعُدت عن مجال تخصصه، ولا هو نفسياً ـ من حيث السنّ ـ يقابل أن يعيد التكوين والتعديل لاتجاهاته، ومشاعره، وعواطفه. 

د. عبد العظيم الديب

التاريخ يعيد نفسه

اعتدت كلما راعني من حاضر أمتي ما يروع، وفزّعني من واقعها ما يفزع، أن ألوذ بالتاريخ، وأبدًا تاريخ أمتي لا يخذلني، فدائمًا أجد فيه التفسير وأجد فيه العزاء، وأجد فيه الأمل. وفي الشهور الماضية تولى (كاتب فنان)1 من هؤلاء (القرامزة) الذين يحملون (المطرقة والمنجل) يهوون (بمطرقتهم) على كل أصيل تليد ليحطموه ويزيلوه، ويتربصون (بمنجلهم) لكل نبتة لأمل، وكل عود للمستقبل، ليحصدوه، يمهدون بذلك (للدب) المستوقز .. حمانا وأعاذنا الله. تولى هذا الكاتب (سَحْل) خيار صحابة رسول الله r حيث مكنت له كبرى الصحف العربية اليومية، على طول أربعين أسبوعًا (زد أو انقص منها قليلاً) مكنت له من صفحة كاملة كل أسبوع، يصول فيها ويجول، ولا من دافع ولا رادع " طلب الطعن وحده والنزالا". فمن له مثل هذا الموقع ليردع؟؟ ومن يملك مثل هذا المنبر ليدفع؟؟ وحيل بين الكتاب والعلماء والرد، حيث كانت تُحوّل كل الردود والتعقيبات إلى هذا الكاتب فيطويها، ويخفي ذكر أصحابها، ويوجعهم همزًا ولمزًا، وسبًّا وشتمًا. ومن عجب أنه يعود ليبكي ويندب الرأيَ المكبوت، والفن المرءود، ويستصرخ كل من هب ودب، على "كهنوت الرقابة الدينية" و"غوغائية علماء الدين" و"استبداد الهيئات العلمية والروابط الإسلامية"!! (رمتني بدائها وانسلّت). لُذت كعادتي بالتاريخ - تاريخ أمتي - فقال لي: لا تُرع إنه ضلال قديم، كَيْده مفضوح وسهمه طائش، وسيفه مغلول. وأقرأني صفحة أسلافهم، صفحة (القرامطة)، وقال لي: لو تقرؤون !! لو تتدبرون !! لو تتنبهون!! فهل تأذنون أن أشرك قراءكم الكرام في قراءة هذه الصفحة التي أقرأنيها التاريخ !! صفحة القرامطة؟ كم أكون شاكرًا لو أذنتم، حتى أؤدي الأمانة التي حمَّلنيها التاريخ. القرامطة إحدى فرق الباطنية، الذين اختصهم الإمام الغزالي (حجةُ الإسلام) بكتاب من كتبه، تحدث فيه عن (فضائحهم) وجرائمهم وخبائثهم.. ومما جاء فيه: منهج القرامطة: جاء هذا المنهج كما كشفه الإمام الغزالي على لسانهم، إذ قالوا: نتحصَّن بالانتساب إلى الروافض والاعتزاء إلى أهل البيت، ونتودد إليهم بما يلائم طبعهم: من ذكر ما تم على أسلافهم من الظلم العظيم، والذل الهائل، ونتباكى لهم على ما حل بآل محمد r ونتوصل به إلى تطويل اللسان في أئمة سلفهم، الذين هم أسوتهم وقدوتهم، حتى إذا قبَّحنا أحوالهم في أعينهم وما ينقل شرعهم إلا بنقلهم وروايتهم، انسد عليهم باب الرجوع إلى الشرع، وسهل علينا استدراجُهم إلى الانخلاع من الدين"اهـ (بنصه ص19). هذه هي خطتهم، وهذا هو منهجهم كما ترى:  ادعاء الغيرة على الإسلام وتجليه مبادئه.  تمجيد آل بيت المصطفى عليه الصلاة والسلام.  البكاء على ما أصاب آل البيت وحل بهم.  التوصل بذلك إلى سب أئمة الصحابة وكبارهم وتقبيح أحوالهم.  سد الباب بين المسلمين وشرعهم حيث قبحوا الصحابة وما ينقل الشرع إلا من جهتهم. (انتبهوا أيها السادة) هذه هي خطة القرامطة (وانظروا حولكم).       وسائل القرامطة: كان للقرامطة وسائل يستدرجون بها الأتباع، ويصطادون بها الأنصار والأشياع، وهي مرتبة على درجات بدقة بالغة، تعتبر بحق مثالاً لعبقرية (العمل السري) كما سماها أحد الباحثين المحَدثين. أما الإمام الغزالي (حجة الإسلام) فقد سماها: (درجات حيلهم) وهي: 1- التفرس2- التأنيس3- التشكيك4- التعليق5- الربط6- التدليس7- التلبيس8- الخلع9- السلخويقول الإمام الغزالي: "في الاطلاع على هذه الحيل فوائد جمة لجماهير الأمة". وهاك شيء من تفصيل حيلهم:  أما التفرس: فمعناه أن يكون الداعي فطنًا ذكيًّا يميز بين من يمكن استدراجه ومن لا يمكن قادرًا على تأويل النصوص والإيهام، بأن لها باطنًا لا يعرفه كل أحد. كما يكون قادرًا على أن يقدم لكل واحد ما يتفق مع مزاجه وميله ومذهبه.  وأما حيلة التأنيس: فهي أن يجتهد الداعي في التقرب إلى من يدعوه، والتظاهر له بالتنسك والتعبد، والمواعظ الرقيقة، والتبشير بأن الفرج منتظر.  وأما حيلة التشكيك: فهي أن يجتهد الداعي في تغيير اعتقاد المستجيب، وذلك بالأسئلة عن الحكمة في مقررات الشرع، وغوامض المسائل، ومتشابه الآيات، وأسرار الأرقام في مثل: سبع سموات، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، عليها تسعة عشر.  وأما عن حيلة التعليق: فتكون بأن يطوي عنه سر هذه الشكوك، ويوهمه بأنه يملك حقيقتها ويعرف كُنهَها، ولكن لا يمكن البوح بها لكل أحد، ولا في كل حين، بل لابد من عهود ومواثيق على من يريد معرفة هذه الأسرار، ويتركه هكذا معلقًا.  وأما حيلة الربط: فتأتي بعد التعليق، بأن يربطه بأيمان مغلظة، وجهود مؤكدة، لا يجسر على المخالفة لها بحال، (ومن اطلع على نسخة العهد يقشعر بدنه لهذا الإرهاب الذي ينطق به).  وأما حيلة التدليس: فتكون بالتدرج في بث الأسرار إليه بعد أن ربطه بالأيمان والعهود المؤكدة، إذ يأخذ في إطلاعه على قواعد المذهب شيئًا فشيئًا، ويوهمه أن لهذا المذهب أتباع كثيرون، ولكنه لا يعرفهم، بل له أن يسمي بعض المرموقين الذين يُقتدى بهم (على شرط أن يكونوا في بلاد أخرى لا يمكن مراجعتهم) مدعيًا له أنهم على نفس مذهبه.  وأما حيلة التلبيس: فتكون بالاتفاق على بعض المسلّمات، والقواعد البدهية، ثم يستدرجه منها إلى نتائج باطلة، وذلك بعد أن يكون قد أسلم له قياده.  9- الخلع والسلخ: وهما بمعنى واحد، إلا أن الخلع يختص بالعمل، فإذا أسلم المستجيب قياده وبدأ العمل والتنفيذ لما يريده منه القرامطة، يكون قد انخلع عن مجتمعه، ووصل إلى درجة الخلع. وأما السلخ: فيختص بالاعتقاد الذي هو خلع الدين، واعتقاد فلسفة المذهب قلبًا وإيمانًا بعد أن أخذها منهجًا وعملاً. هذا تفصيل تدريجهم الخلق واستغوائهم، فلينظر الناظر فيه وليستغفر الله من الضلال. وإلى الله المشكتى .. وهو حسبنا ونعم الوكيل. وكان للقرامطة جولة ودولة: كان القرامطة يتخفَّوْن - كما رأينا - في زي أهل البيت، ويزعمون أنهم يبكون على ما أصابهم، ويُظهرون التعبدَ والتمسك والتزهد، ويبشرون بالعدل الشامل بين الناس، وبسياسة جديدة في المال، تُشبع الجياعَ، وتنصر العمال والفلاحين. فاجتمع إليهم المخدوعون من البسطاء وأفجاج العرب والأكراد، وجُفاة الأعاجم، وسفهاء الأحداث، ولعل هذا الصنف هم أكبر الناس عددًا، ثم الحقدة ممن أزال الإسلام دولتهم، كأبناء الأكاسرة، والدهاقين، وأولاد المجوس المستطيلون، ثم المغامرون الباحثون عن دوْر العاشقون للتسلط والسيطرة. وصار لهم بهؤلاء وهؤلاء أتباع وأشياع، وجند وأنصار، أقاموا بهم دولة، واتخذوا لهم عاصمة!! فلننظر على أي نظام قامت دولتهم؟ كان أول شيء أنهم كشفوا هُويتهم، فأباحوا المحرمات، وأزالوا المحظورات، ونادْوا بالشيوعية في النساء والأموال، وبالطبع - كالشيوعية الحديثة - عجزوا عن تحقيقها في الأموال، فبقي قادتهم ورؤساؤهم يكتنزون المال دون عامتهم، ويسومونهم الخسف والعذاب، ويستغلون جهدهم وعرقهم. ثم كشفوا عن هدفهم الأول ومهم الأكبر، وهو هدم دولة الإسلام، فعاثوا في الأرض فسادًا، وشنوا الحروب في العراق والخليج والشام ومصر والحجاز، وروّعوا الآمنين، وقطعوا الطريق، ونهبوا القوافل، وذبحوا الرجال، وسبَوْا النساء والأطفال، وصار من كانوا يزعمون أنهم دعاة العدل وأئمة الزهد وحماة الضعفاء، صاروا مردة شياطين، صاروا مصدر الظلم والقهر والاستبداد والاستغلال. وكملت جرائمهم بعدوانهم على الحجيج داخل الحرم، يوم التروية ثمانية ذي الحجة، فذبحوا الحجاج وألقوا بجثثهم في بئر زمزم، ومزقوا أستار الكعبة، ونزعوا بابها وميزابها، وبلغت جريمتهم غايتها بكسر الحجر الأسود، وقلعه من مكانه، وخطفه والعودة به إلى عاصمة ملكهم، حيث ظل سنين إلى أن زالت دولتهم، وانفض المخدوعون من حولهم، الذين طمعوا في جنة الشيوعية، وما ذاقوا إلا وبالها وجحيمها.. فهل يعقلون؟؟! 

د. عبد العظيم الديب

إنهم يقرءون التاريخ بأثرٍ رجعي

حينما تكون الأمم في مرحلة الصعود والنهضة تعرف كيف تقرأ تاريخها، وكيف تستلهمه وكيف تجعله زادًا وعمادًا لحاضرها، وتعرف تقدمه لأبنائها. أما حينما تكون في مرحلة الانهيار وفي طريق الانحدار فإنها تضيع – فيما تضيع من مقومات النهضة – تاريخها، ولا تحسن قراءته، والاتعاظ والاعتبار به، وصدق الله العظيم حين قص علينا قصص الأولين، فعقب القرآن الكريم: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب}.. ورحم الله شوق حين قال: "مثل القوم أضاعوا تاريخهم *** كلقيطٍ عيّ في الحيِّ انتسابًا". وحين قال: "من يصن مجد قومه ... فقد صان عرضًا". وأخذ هذا المعنى فصاغه نثرًا أديب العربية وعملاقها عباس محمود العقاد فقال: "التاريخ عِرضُ الأمة". وأمتنا – واللهم لا اعتراض – قد عرفت كيف تمزق تاريخها، وكيف تُشبعه ركلاً وصفعًا وتمزيقًا وتشويهًا. لم يقتصر ذلك على الكتابة والدراسة والتدريس فقط، بل تعداه إلى الأغاني والمسرحيات والأفلام، والمقالات الصحفية اليومية. صار كل مقهور عاجز لا يستطيع أن يبدي رأيًّا في أتفه أمور حياتنا اليومية، ومصائبنا الآتية – مؤرخًا ومفلسفًا للتاريخ !! – ومفرغًا كل عجزه وهوانه على تاريخ أمتنا وأمجادها، ولست بم يسمي علماء النفس هذه العاهة النفسية الخبيثة فأترك لهم أمر تسميتها. لم يعرف هؤلاء حرمة التاريخ (وقداسته) التي بلغت بأمة مثل الصين في سنة 1984م أن تهدد جارتها العملاقة، ويصل الأمر إلى تجميد العلاقات وسحب السفراء، والتهديد بإلغاء كافة الاتفاقيات، بل والحرب إن لم ترجع اليابان عن تغيير عدة سطور في كتاب التاريخ الذي يدرس في المدارس اليابانية. نعم عدة أسطر في كتاب التاريخ تثير أزمة، وأي أزمة بين العملاقين (الصين) و(اليابان)، أما أمتنا المنكوبة فتاريخها (عِرضها) مستباح، وإلى الله المشتكى. من وسائل تشويه التاريخ: لن أتحدث اليوم عن كل وسائل تشويه تاريخنا من تجهيل وانتقاد وسوء تفسير، بل الاختراع والتزييف، ناهيك عن الإسقاط.. لن نتحدث عن ذلك، فتلك وسائل قد رُصدت وصار عنها حديث ومراجعات لبعض المرابطين في الموقع الفكري يزودون عن كرامة أمتهم وقليلٌ ما هم. وإنما نتحدث اليوم عن بدعٍ جديد، وأعن به: قراءة التاريخ بأثر رجعي: مدخل:  نحن نعيش اليوم حالة من الازدواجية المرضية، فنتحدث عن المصير الواحد و التاريخ واللغة الواحدة، والمستقبل الواحد للأمة العربية - بل وأحيانًا الأمة الإسلامية – نعزف هذا اللحن البهيج في المناسبات العامة عند اللقاءات والزيارات وعقب المباحثات والمؤتمرات، وأحيانًا عند الشجب و(الاستنكار) لما يُشجب ويُستنكر من العدوان والامتهان الذي يقع على أمتنا هنا أو هناك، من حين لآخر. فإذا لم تكن مناسبة من هذه المناسبات (القومية) - فنحن إقليميون حتى النخاع – ننظر إلى حدودنا الإقليمية، وكأنها ليست خطوطًا وهمية، ننظر إليها على أنها خطوط التمايز، وكلٌ خلق خطوط ينظر (للآخرين) على أنهم (آخر) وكلٌ يجد في نفسه (سمةَ) امتياز (وآية) تفوق يعلو بها على (الآخر). فهذا أكثر مالاً وأوفر ثروة، وذاك أعز نفرًا وأكثر جندًا، وهذا أكثر عراقة وأعمق حضارة، وهذا أوسع أرضًا وأكبر مساحة ... إلخ. وكلٌ يرى أنه وحده، و(الآخرون) هم الجحيم. قراءة التاريخ: في ظل هذه الإقليمية الضيقة والانكفاء القميء على الذات، تتضخم الذات ولا ترى إلا نفسها، وحين تقرأ التاريخ تقرؤه بأثرٍ رجعي، لا ترى فيه إلا نفسها، حتى قبل أن يوجد لهذا الإقليم اسم ولا رسم، وأن تخلق حدوده الحالية. نموذجان لهذه القراءة: الأول من مصر. والثاني من السودان. وأحب قبل أن يغضب مني السودانيون ويتهمونني بأني أنكر عراقة سودانهم، وقبل أن يتهمني (المصريون) في مصريتي ووطنيتي، أحب أن أؤكد أن ذلك ليس فيه انتقاص لا من مصر ولا من السودان، وحاشاي أن يكون ذلك مني، وكي يطمئن هؤلاء وهؤلاء فليعلموا أن كثيرًا من الدول العربية لم تكن بحدودها التي عليها الآن قبل القرن العشرين، بل بعضها لم يكن له وجود ولا حدود أصلاً. وليس هذا عن الدول العربية فقط، بل إن كثيرًا من الدول الأوروبية ينطبق عليها هذا القول مثل إيطاليا وألمانيا والنمسا وفرنسا ويوغسلافيا وغيرها، وهم حينما يذكرون تاريخهم ومراحل توحد دولهم ونشأتها لا يصيبهم اكتئاب ولا ينالهم رهق ولا ذلة. فليهنأ المصريون وليهنأ السودانيون.. النموذج الأول من مصر: من المعلوم أن الجيوش الإسلامية التي قادها "سيف الدين قطز" وردَّ بها جحافل التتار في معركة (عين جالوت) سنة 658هـ، هذه الجيوش خرجت من مصر، بقيادة سيف الدين قطز الأمير المملوكي.  كانت مصر في ذلك التاريخ إحدى ولايات الخلافة العباسية مثلها في ذلك مثل كل بلاد العالم الإسلامي. حيث كان هذا العالم المترامي الأطراف يدين للخلافة المركزية في بغداد بالطاعة والولاء، وإن كانت هذه الولايات تتمتع بنوع استقلال يضيق ويتسع بحسب قوة أمير الولاية وإمكاناتها، ولكن هذا الاستقلال (الجزئي) لم يسمح في يوم من الأيام بقطع الصلة مع الخلافة في بغداد، فمهما بلغ الضعف بالخلافة لم يكن يتولى حاكم ولاية إلا بمرسوم من الخليفة في بغداد، وما كان يكتسب شرعيته إلا من تولية الخليفة إياه. وما كانت تشعر ولاية من ولايات الخلافة الإسلامية أنها منفصلة عن دولة الخلافة، كانت حرب الخلافة حرب كل الولايات، وسلمها سلم كل الولايات، وحرب أي ولاية حرب الخلافة وحرب كل الولايات، وما كانت هذه الإقليمية البغيضة قد ظهرت، وكان (السكان) ينتقلون من ولاية إلى ولاية بحسب ظروفهم، وأعمالهم، وتجاراتهم، ورغباتهم، ويقيمون في مصر، أو في الشام، أو في إفريقية، أو في المغرب، أو في العراق، أو في الحجاز، كل دار الخلافة الإسلامية دارهم.. فأين الإقليمية إذًا.. هذا هو الوضع الواقع آنذاك. جيش مصر: يكتب الكتَّاب المصريون عن معركة (عين جالوت) فيصورونها وكأنها كانت معركة بين (مصر) والتتار، فيتحدثون عن جيش مصر، وعظمته، وشجاعته، وكيف أن مصر صنعت ما عجز عن (العراق) و(الشام)، فأوقفت زحف التتار وأذاقتهم الهزيمة أول مرة، بعد أن حطموا بغداد، ومزقوا العراق، واكتسحوا الشام كله، واجتاحوا دمشق، أما (مصر) فهي وحدها التي استطاعت رد التتار، "فأنقذت العالم كله من شرهم، وحمت الحضارة البشرية من تدميرهم". ولستُ أدري كيف كانت مصر العظيمة العملاقة هذه عاجزة عن أن تلد قائدًا يقود جيشها، مصر التي أنجبت هذا الجيش الأعظم، لا أدري، ولم يدر مؤرخو هذا الزمان – كيف عجزت عن أن تنجب بطلاً من أبنائها يقود جيشها !! – كيف يسمح هذا الجيش لذلك المملوك (العبد) أن يقوده، هو والمماليك الآخرون (الظاهر بيبرس ورفاقه). أليس ذلك أمرًا عجيبًا؟!! إن هذا الجيش لم يكن ابن مصر، ولكنه كان ابن الإسلام، والصيحة التي أطلقها في ميدان المعركة وسجلها التاريخ كانت (وا إسلاماه)، ولم تكن (وا مصراه). ؟؟؟؟؟؟ أنوف البعض ويقولون: إن أهل مصر الأبطال الأشداء كانوا عماد هذا الجيش، وهم خير أجناد الأرض كما روي وصفهم بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقد تقول: نعم، ولكن تقول أيضًا: إنها لم تكن معركة مصرية بأي حالٍ من الأحوال، ولم تكن المسألة مسألة أرض وتراب ووطن، وإنما كانت مسألة عقيدة ودين، ومن يرجع إلى الحوار الذي دار بين سيف الدين قطز ورسل التتار وبين سيف الدين قطز والأمراء - أمراء المماليك - يدرك فعلاً أنها العقيدة التي جمعت بين هؤلاء جميعًا، الذين كانوا يسكنون مصر، سواء من كان طارئًا عليها أو أصيلاً من أهلها. فتصوير هذا الجيش (الإسلامي) بأنه جيش مصري، وأن المعركة معركة مصرية، وأن مصر هي التي انتصرت، تصوير مزيف، نشأ عن هذه المشاعر الإقليمية الضيقة، وهي التي جعلتهم يقرءون التاريخ بأثر رجعي. تناقض: ويظهر أثر هذه القراءة (المرتدّ) فيما ينشأ عنها من تناقض، حينما يتحدثون عن (احتلال) المماليك لمصر، وصراع مصر للمماليك وما تجرّعه الشعب من مآسي. وآخر ما كان من ذلك (مسلسل) تلفيزيوني بلغ نحو ثلاثين حلقة، كانت تبدأ الحلقة كل يوم بأغنية حزينة تندب ما أصاب القاهرة من المماليك، ومع الكلمات الباكية، والصوت الحزين والموسيقى والمؤثرات الصوتية والضوئية، وتأتي الكلمات مكشوفة عُريانة مثل (يا ما قاسيت يا قاهرة) يقولها المطرب باللهجة العامية، وكأنه يستثير كل ذي كرامة ونخوة لكي يثأر لوطنه وعاصمته. ثم تأتي حلقات المسلسل فتصور عصر المماليك وقد ضرب الفساد فيه أطنابه، وفشا الخل في كل نواحي الحياة، وفي مبالغات فجة، تجعل كل ذي عقل لا يصبر على متابعة هذا التزييف. ولكن السؤال يطرح نفسه متحديًا هؤلاء: هل كانت أيام المماليك أيام عزٍّ ونهضة وأمن وأمان، فأنجبت الجيش الذي حاز النصر الأغر في عين جالوت، أم كانت أيام فساد وإفساد؟ فإن كانت كذلك فكيف أنجبت هذا الجيش؟ .. ولكنه الخط والتزييف. مصر المملوكية: لقد كانت فترة الحكم المملوكي لمصر وهو نحو (    ) من أزهى فترات التاريخ، فقد عرفت مصر في هذه الفترة ذلك الوجه الحضاري الذي لا تزال آثاره حتى اليوم، فمن ناحية العلم والمعرفة خلف لنا عصر المماليك آلافًا من الكتب الأمهات، مما جعله بحق جديرًا بأن يسمى عصر التأليف الموسوعي، ويكفي أن نشير إلى أن من نتاج هذا العصر: لسان العرب لابن منظور. وفتح الباري لابن حجر. وعمدة القاري للعيني. ونهاية الأرب للنويري. وتفسير القرطبي. وسنحاول - إن شاء الله تعالى – أن نصور بيبلوجرافيا خاصة بنتاج عصر المماليك، عسى أن يكون في ذلك تصحيح أو رفع لهذا الظلم. وما أظن العلم والتأليف يعيش مع الفساد والإفساد، ولولا الطمأنينة والرخاء والأمن والأمان، ما فرغ عالم لمحبرته وأوراقه. أما المدارس والمكتبات العامة، فقد حظيت من المماليك بالرعاية الكاملة  (لم يكمل)   ودع عنك هؤلاء الذين يختزلون مئات السنين في حادثة أو واقعة يرونها بمنظارهم الأسود، ويسحبونها على العصر كله، مثلهم في ذلك مثل من يزور القاهرة (الآن) فلا يرى ما يتحدث عنه إلا شارع الهرم، ويسحب كل هذا العار على وجه القاهرة كلها، وهو في هذا غير صادق وغير منصف. 

د. عبد العظيم الديب

جنوب السودان وصناعة التآمر

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مُرشدًا، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير، اللهم إنا نعوذ بك من الخطأ والخطل، والخلل والزلل، وسيئ القول والعمل، ونصلي ونسلم على صفوتك من خلقك، وخاتم رسلك، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته، واهتدى بهديه، وعمل بسنته إلى يوم الدين. وبعد: فإن الأمم الناهضة في حين نهضتها تُحسن قراء تاريخها، فتحسن النظر إلى واقعها، ومن ثم تعرف كيف تستشرف مستقبلها، وتخطط لغدها، وتتبين مواطئ أقدامها، فتمضي صعدًا في طريق القوة والمجد. أما في حالة التدهور والانحطاط، فإن الأمة لا تحسن قراءة تاريخها، ولا النظر في واقعها، وبالتالي لا تعرف كيف تنظر في مستقبلها، ولا تدبر أمر غدها، ويضيع منها الطريق، وتضل خطاها، وتلتوي عليها المسالك والدروب، فتدور حول نفسها، وتتعذر عليها الرؤية، وتصنع بنفسها ما يريد عدوّها أن يصنعه بها! واليوم نرى أمتنا - للأسف - قد وقعت في هذا المأزق الخطير، فلا هي تحسن قراءة تاريخها البعيد، ولا رؤية تاريخها القريب. أوقعها في ذلك كيدٌ خبيث، وتدبيرٌ محكم، من أعدائها، ثم غفلة وسذاجة من بعض أبنائها، الذين أملى لهم الاستعمار، ومكن لهم - قبل أن يرحل - من مراكز الثقافة والفكر والإعلام والفنون والتربية والتعليم، فتولوا تهميش العقل العربي المسلم، وفرغوه من كل ثقافة جادة، ومعرفة بثقافة أمته، ومشكلاتها، والتبصر في أسبابها وجذورها، والبحث عن حلها وعلاجها. وشغلوه - العقل - بسفاسف الأمور وتفاهاتها، من مثل: المشوار الفني لفلان ولفلانة، من الممثلين والممثلات، الأحياء منهم والأموات، وأزمة النص المسرحي، وأزمة المسرح الخاص والمسرح الحكومي، ودور الأغنية ووسيلتها في إصلاح حال الأمة!! مما هو مقرر علينا يوميًا، ورقصوا فوق الكعبة1 في مهرجان المسرح، وجعلوا ذلك إبداعًا وسخروا من المسجد، والأذان والصلاة، والوعظ الديني، في مهرجان أفلامهم التسجيلية، وسمُّوا ذلك (علاجًا) (للزواج على الطريقة المصرية)2. أما أنباء العالم فيكفينا منها: أخبار كلبة بوش وفضائح نانسي والخصام بين الأميرة ديانا وزوجها تشاركز، وانفصال الأمير أندرو عن زوجته ساره، ثم زواجها المقبل من فلان، وزواجه المقبل من فلانة. أما العنتريات الكروية والدوري والكأس، والصياح الذي يصم آذاننا كل يوم تقريبًا "جوووون، جوووووون - يا خسارة ياولاد " ، والجنون الذي وصل بنا إلى مناقشة أسباب الهزيمة الكروية أمام إحدى الفرق الإفريقية في مجلس الشعب.  إي والله العظيم حدث هذا وتدخل رئيس الجمهورية (مبارك) لإعادة مدرب الفريق القومي، أو لا يدري مدير الفريق القومي بعد استقالته، أما الأسبق (عبد الناصر) فقد تدخل كما نشرت الصحف للإصلاح بين عبد الحليم حافظ وأم كلثوم، وأجبر خاطر عبد الحليم (حليم) من طغيان (ثومة)، وأمر بإقامة حفلة ثانية يغني فيها حليم ويحضرها الريس، وأما الآخر (السادات) فقد وعد الفنانين والفنانات بإصدار قانون يلزم كل صاحب بناية كبيرة تزيد قيمتها عن كذا أن يجعل طوابقها الأولى دارًا للعرض السينمائي. على حين عندما اندحرنا أمام إسرائيل في ذلك العام الأسود 1967م رأينا هذا المجلس نفسه يرقص (إي وربي، رأينا الرقص حقيقة لا مجازًا) طربًا لأن (الزعيم) باقٍ في مكانه، ورجع في كلامه ولم (يتنحّ) عن الكرسي. أما زهرة شبابنا الذين ذهبوا جَزَر (أي عام) الكلاب والذئاب والضباع في صحراء سيناء (فقدنا يومها أكثر من عشرة آلاف من خيرة شبابنا3، وأما عاصمتنا التي كانت مستباحة، إذ لم يكن بين القاهرة وقوات إسرائيل على شاطئ القناة جندي واحد (ليس من عندي، بل باعتراف الزعيم نفسه في إحدى خطبه العامة)، وأما جيشنا الذي ذهب بددًا " كل فرد ينسحب على مسئوليته الخاصة ". وأما سلاحنا الذي ذهب غنيمة باردة، وأما اقتصادنا الذي انهار من يومها، وأما كرامة أمتنا التي ديست في الوحل ... كل ذلك لا يساوي شيئًا، ولا يستحق المساءلة، ولا يحتاج إلى التحقيق أو تقصي الحقائق، مثل الهزيمة الكروية! بهذه الثقافة المزيفة، بهذا العقل المغيب، أو المهمش نتناول قضايا أمتنا، جاهلين تاريخها البعيد، عُمْي البصر والبصيرة عن تاريخها القريب، وسَلْ من شئت من عامة المثقفين، بل من خاصتهم، بل من المتخصصين (الأكاديميين) في التاريخ، عن مآسينا في أريتريا، وأوغندة، والصومال، والحبشة، وزنجبار، والسنغال، ونيجيريا، وسيراليون، وكل دول إفريقية، وجنوب السودان، والفلبين، وبورما، وفطاني، وإندونيسيا، والهند، وكشمير، وسل من شئت عن مآسي الإبادة والمذابح للمسلمين في الجمهوريات الست التي اغتالها الاتحاد السوفيتي (أيام أن كان) وفي ألبانيا، وبلغاريا، ويوغسلافيا، وغيرها وغيرها... هل تجد من يدري عن ذلك شيئًا؟؟ وهل حوت مناهجنا الدراسية سطورًا عن ذلك؟؟ وهل حوت مادة ثقافتنا وإعلامنا لمحة عن ذلك؟!! إننا لم نسمع عن (البوسنة والهرسك) إلا من الإعلام الغربي، ولم نقرأ عن مأساتنا هناك إلا نقلاً وترجمة عن أقلام الغرب!! ونتناول أنباء المآسي والمجازر والتنكيل هناك بأسلوب عجيب غريب، يوحي بأن هؤلاء ليسوا جزءًا منا وليسوا بضعة من جسدنا، وليسوا من لُحمة نسيجنا (حاشا جماعة من أبناء أمتنا، كانوا حسنات لها، أذهبن شيئًا من سيئات الإعلام الحكومي والموقف الرسمي). بهذه الثقافة المزيفة، وهذا العقل المهمش المغيب، تستقبل أخبار السودان، وما يجري في جنوبه وشماله، فيجوز على كثير منا هذا التشويش، وهذا التضليل، (وينطلي) على الكثيرين كلام (المهمِّشين والمهمِّشات) عن (أمن مصر) و(البوابة الجنوبية) و(معسكرات التدريب) و(تصدير الإرهاب) و(محور الخرطوم طهران) و... و... وكأن السودان (المسكين) قد فرغ من كل مشاكله الداخلية والخارجية، ونجا من كل الدسائس التي تدبر ضده، ومن كل المكائد التي تحاك له، جزاء وفاقًا على نفض يده وتذمره من اتفاقيات الإذلال والامتهان، وتوجهه إلى حل مشاكله حلاًّ داخليًا بإنتاج غذائه بيده، وفي طين أرضه، حتى تحررت إرادته. كأن هذا السودان صار هو الخطر المحدق بمصر، بل وبغير مصر من بلاد العروبة (أمجاد يا عرب أمجاد)!! أما إسرائيل فقد صارت شريك (السلام)، والأخ الشقيق الذي نطلب منه (صلحًا تاريخيًا مع العرب)، وأما (جون جارنج) الذي تدعمه إسرائيل، وتتناقل الإذاعات العالمية زيارته لإسرائيل، وتحالفه مع إسرائيل .. (جون جارنج) سليل مجلس الكنائس العالمي الذي يرعاه (كارتر) الرئيس الأسبق لأمريكا.. (جون جارنج) زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، والقوة الفعالة في المعارضة السودانية، التي ترعاه (كثير) من الدول العربية، وتفسح لها في أرضها وإعلامها وتدعمها بأموالها. (جون جارنج) تغدق عليه بعض الدول العربية المال والسلاح، وتتحدث عن المعارضة السودانية (لتحرير السودان) وهي لا تدري - أو لعلها تدري - أن المقصود هو تحرير السودان من العروبة والإسلام!! ومن عجب أن كثيرًا من زعماء السودان المخضرمين ينضوون الآن تحت جناح (جارنج)، فهو المعارض الذي يملك جيشًا وسلاحًا، ومن هؤلاء الزعماء من كان يحارب (جارنج) أيام كان في السلطة، ويعرف تمامًا مآرب (جارنج) وغاياته.. ولكنه (العقل المغيب) ولا تقول هنا (المهمش). ثم أما بعد: هذه الصفحات كنت قد كتبتها في سنة 1964م، ففي أكتوبر من ذلك العام سقط الحكم العسكري الأول في السودان، حكم إبراهيم عبود، وكان السبب المباشر لذلك الرصاصة التي قتلت (القرشي) أحد زعماء طلاب جامعة الخرطوم، حين اجتمعوا في رحاب الجامعة يتدارسون مشكلة الجنوب. في ذلك الوقت كنت مقيمًا في السودان، ورأيتُ كيف استطاع شعب السودان الأعزل أن يثأر للقرشي بإسقاط النظام. يومها لم يشغلني الإعجاب بشعب السودان عن البحث عن جذور (مشكلة الجنوب) التي كانت السبب في هذه الزلزلة التي ذهبت بحكومة وأتت بأخرى. ومن هنا كانت هذه الصفحات التي أقدمها اليوم كما كتبتها منذ ذلك التاريخ، فلم أجد فيها شيئًا يحتاج إلى تغيير، فبالرغم من أن مشكلة الجنوب صارت اليوم غيرها بالأمس، فلم يكن أكثر الناس تشاؤمًا يظن أن الأمر سيصل بجنوب السودان (وجون جارنج) إلى هذا الوضع الذي هو فيه اليوم. أقول: بالرغم من هذا التحول البعيد المدى في مشكلة الجنوب، فما زالت حقائق التاريخ، وجذور المشكلة، وكيف غُزلت خيوطها، وكيف نسجت شباكها، في حاجة إلى أن نُعرف أخبارها، وأن تُكشف أستارُها، بل ربما كانت الحاجة إلى ذلك اليوم أكثر منها بالأمس. حين نعي جذور هذه المشكلة (مشكلة جنوب السودان) سنرى أن (جون جارنج) لا يعمل وحده، إنه جزء من آلة ضخمة، تعمل على تفكيك العالم الإسلامي كله. إنه خطوة - طالت أو قصرت - في رحلة طويلة، (استراتيجية) بعيدة، تقول وتعلن صراحة: "إذا كنا قد أخرجنا المسلمين من الأندلس بعد أن مكثوا بها أكثر من ثمانمائة عام، فإننا قادرون على استعادة كل ما فقدناه من أملاكنا في إفريقية وفي الشمال الإفريقي، وفي مصر، وفي الشام، بعد ثمانمائة أخرى، حتى نرد العرب (المسلمين) إلى جزيرتهم". هذا الكلام مكتوب ومنشور، ولكن القوم يعتمدون على أننا لا نقرأ، وإذا قرأنا ننسى سريعًا، ولا نتذكر، بل ربما لا نفهم، وإذا فهمنا قد لا نصدق! أي أن عقلَنا لا يستطيع أن يستوعب هذا الهدف الذي يخطط له مئات السنين. وكل ما يجري على أرض الواقع العربي - للأسف - يصدّق ذلك. ولولا ثقة في وعد الله الذي لا يتخلف ]هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ[ {الصَّف:9} . لولا ذلك لكان لهم ما يريدون. ولكن الله غالب على أمره، وهو ولينا، ونعم المولى ونعم النصير.. وهو وحده المستعان على كل بليّة.  أبو محمود/ عبد العظيم محمود الديب مدينة نصر - 15 صفر 1413ه 16 أغسطس 1992م Page Break جنوب السودان  ما زالت مشكلة الجنوب في السودان جرحًا نازفًا برغم كل الجهود المبذولة والنوايا الصادقة الخالصة من الرجال الأبرار. وحسبنا أن نعود إلى جذور المشكلة لنسأل التاريخ:  لماذا كان في السودان جنوب وشمال؟  لماذا لم يكن السودان سودانًا فحسب؟ السودان والتاريخ: شهد مطلع القرن التاسع عشر خروج المستعمرات الأمريكية من يد المستعمرين الأوروبيين، كما استنزفت ثروات آسيا فتطلعت عيونهم الزائغة تبحث عن مجالات أخرى تنهبها لتعوض بها ما فقدته في أمريكا وما نضبت في آسيا. ولعله لم يكن من قبل المصادفة أن شهد مطلع القرن التاسع عشر أيضًا ظهور أبحاث الرحالة والمكتشفين التي جاءت تؤكد أن إفريقيا قارة بكر، ومخازن غنية بالمؤمن، ومناجم متخمة بالثروات، وتحلبت أشداق الاستعمار وسال لعابه، وبدأت انجلترا وفرنسا والبرتغال تلتهم القارة من أطرافها. وآنذاك خرجت الأخبار بأن بلاد السودان بلاد خالية من القوة التي تحميها وذلك بسبب تصارع ممالكها فيما بينها: (سلطنة الغور) في الغرب، و(مملكة الفونج) في الشرق، و(مملكة بربر) و(مملكة تقلي) في جبال النوبة، وأن البلاد لقمة سائغة، وهنا تحفز الاستعمار وأوشك على الانقضاض!! ولكن شاءت الأقدار أن تنقذ السودان من الاستعمار الأوروبي، فسبقت إليه الدولة العلية، دولة الخلافة الإسلامية (تركيا)، حين استنجد ملك (بربر) في سنة 1813م وسلطان (دارفور) في سنة 1820م بمصر بسبب اشتداد النزاع والصراع. وجاءت جيوش محمد علي والي مصر باسم الخلافة العثمانية، وأعادت للسودان الأمن والاستقرار، وأتمت توحيده في دولة واحدة متماسكة، وكانت المهمة سهلة ميسرة، فقد ساعد جيوش الخلافة كثير من زعماء السودان الذين فهموا الروح الإسلامية التي جاءت بها، وأبرز مثل على ذلك (الزبير رحمت باشا) الذي لم يكتف بالانضمام بإمارته بل أخذ في إخضاع المناطق المجاورة له بالحجة والإقناع وبالقوة حين لا ينفع الإقناع، وكان هو الذي ضم كل غرب السودان. وبهذا كان السودان أسعد حظًّا من جيرانه، فقد أفلت من الاستعمار الأوروبي الذي بدأت مباضعه تعمل في تمزيق القارة البكر. ولكن الاستعمار لم يسلم بهذا، وهاله وأفزعه – أيما هول وأيما فزع – أن تكون في قلب القارة دولة موحدة بهذا الاتساع، وتنعم بالأمن والهدوء والاستقرار، والأخطر من ذلك يشع عليها نور الحضارة الإسلامية وضوء الدين الإسلامي. ولو كان الأمر يقف عند حدود السودان لهان الشأن، ولكن الخطب أخرط وأكبر، فكيف يتمكن الاستعمار من إتمام سيطرته على قارة إفريقية وفي سوطها هذه المنارة؟ كيف يتمكن من نهب القارة وفي قلبها دولة قوية مترامية الأطراف تشع حضارة إسلامية وتنشر الدين الإسلامي، فيفزع ذئاب الاستعمار؟ ومن هنا لم يسلم الاستعمار بالزيمة ولم يغمض له جفن وراح ينفث سمومه وأحقاده، ولذا تعرض السودان لما لم تتعرض له دولة من الدول، تعرض السودان لمؤامرات استعمارية دائبة متصلة، هدفها تفتيت وحدة السودان (أكبر دولة في قلب إفريقيا) والقضاء على  الحضارة الإسلامية والدين الإسلامي.. وتشابكت حلقات هذه السلسلة من الاعتداءات والمؤامرات الاستعمارية، وما يجري في الجنوب الآن ليس إلا حلقة من هذه الحلقات، التي تلونت بكل لون وتشكلت بكل شكل من دسائس بين السودان وجيرانه، إلى بعث للنعرات القبلية إل زعزعة للعقيدة وتحطيم للأخلاق والمثل. ولنستعرض في إيجاز سريع شيئًا مما عاناه السودان من هذه المؤامرة:  بدأت أول محاولة لتفتيت وحدة السودان مبكرة جدًّا حين سعى الإنجليز بوسائلهم لدى السلطان في (الاستانة) حتى انتزع شرق السودان من والي مصر وألحقه بولاية جدة، ولضعف والي جدة تمكنت إنجلترا من التهام الأراضي الواقعة جنوبي مصوع، وجزيرة (أرياط)، كما تمكنت إيطاليا من التهام (عصب) وأقامت فرنسا قنصلية لها في (مصوع) لتباشر منها الإشراف على مصالحها وتتحفز للالتهام. وما زال والي مصر يواصل السعي الدائب لدى الباب العالي حتى رد إليه (تهائيا) شرق السودان ومنفذه الطبيعي الوحيد على البحر الأحمر وأعاد تطهير الأجزاء التي دنسها الاستعمارية مرة ثانية. راحت انجلترا توقع بين السودان وجيرانه وبدأت تبكي على المسيحية الحبشية (كانت الحبشة آنذاك مركزًا للتجارة البريطانية)، ونجحت إدارة السودان المصرية في إثبات سماحة الإسلام، وكراهية المسلمين للتعصب الديني، كما يكره الإسلام استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. حاولت انجلترا عام 1867م أن تجرب حظها في استخدام القوة لاحتلال (مصوع) ولكنها فوجئت بأن إدارة السودان على الفور عززت حامية (سواكن) وتحرك الأسطول المصري من (السويس) ليقف تجاه (مصوع) فترددت انجلترا وأحجمت نهائيًا عن هذه المغامرة. استغلت انجلترا وجود الموظفين الإنجليز الذين سمح لهم (ضميرهم وحضارتهم) أن يخونوا أمانة الدولة التي استخدمتهم، ويعملوا لحساب أبناء جلدتهم، أمثال (صموئيل بيكر) الذي استخدمته مصر في إدارة الجنوب على أساس أنه رحالة عالم باحث سبق له ارتياد هذه المناطق، وكان مرتبه عشرة آلاف جنيه سنويًا، ثم أقيل بعد أن ثبت أنه يعمل على عكس البرنامج المطلوب منه من كسب محبة سكان الجنوب وتأليف قلوبهم والتقريب بينهم وبين إخوانهم في الشمال. ثم عينت مصر (غوردون) في نفس العام الذي عزل فيه (بيكر) سنة 1873م ونص في العقد الذي أبرمه معه، وفي قرار تعيينه على تحديد مهام منصبه وجاء في هذا الأمر ما يلي: "الآمر الكريم بتعيين غوردون في 2 محرم سنة 1291هـ رقم 0091 مع معاملة الأهالي بالرفق ولين الجانب، والتآليف، مع المراعاة لما فيه عمارتهم وترغيبهم وتشويقهم على العمارة ودخولهم في سلك الإنسانية.. وعلى هذا ما هو منظور لنا فيكم من حسن الغيرة والاهتمام مؤملين الاستحصال على عمارته4 جهات الاستواء المحكي عنها، وراحة أهاليها، وحسن توطينهم وتآليفهم على الدخول في سلك الإنسانية". كان هذا هدف الإدارة المصرية وأمل الخلافة العلية. فهل وفَّى (غوردون) لمنصبه؟ وأنى له ذلك؟ استهل غوردون عمله بأن أرسل إلى ملك أوغندا بعثة تعلمه (الدين الأوروبي) وتحدثه عن عظمة ممالكها، بعد أن كان قد طلب من غوردون بصفته موظفًا مصريًا علماء من الأزهر لتعليمه وقومه الإسلام تمهيدًا لانضمام أوغندا – اختيارًا – إلى السودان، ولكن غوردون حرصًا على مصالح إنجلترا ومستعمراتها في شرق ووسط إفريقيا وقف في وجه هذا التيار الحضاري، ضاربًا عرض الحائط بكل القيم الخلقية التي تحتم عليه أن يكون ولاؤه لعمله ومنصبه. وقد وقع فيد يد المسئولين بمصر عن طريق الصدفة رسائل متبادلة بين غوردون ولندن تثبت أنه يعمل لحسابهم ضد مصر. لهذا أخرج (غوردون) من السودان، وتفتحت عيون أولي الأمر على حقيقة هؤلاء الناس فاعتمدوا على أنفسهم وأتموا توحيد السودان وانضمت إليه أوغندا واستكمل الوطن السوداني مقوماته. ونفس الأسلوب الذي استخدمته انجلترا حين فزعت من نمو الوطن السوداني في شرقه، استخدمته حين فزعت من نموه في الجنوب، فأوعزت إلى حاكم زنجبار أن يصرخ ويعلن مستغيثًا معلنا خوفه من اقتراب حدود السودان المسلم من بلاده. وتطوع قنص انجلترا في القاهرة بنقل شكوى حاكم زنجبار مشفوعة بلون من التهديد وأن انجلترا تنظر إليها بعين العطف وتطلب وقف أي نشاط على حدود السودان الجنوبي. ولما لم يأبه أحد لهذه الشكوى المفتعلة دخلت انجلترا مع مصر في مفاوضات اضطرت فيها انجلترا – بعد عناء – إلى الاعتراف بحدود السودان دولة واحدة متكاملة متماسكة5. وكان ذلك في عام 1877م، وسارع ولاة الأمور في مصر إلى طبع مجموعات خرائط مفصلة كاملة للسودان، ووزعت على الدول ذات الشأن في العالم، لتكون وثيقة ضمان لوحدة الوطن السوداني. غوردون مرة ثانية: وكانت انجلترا أعيتها الحيل في السودان، في قلب إفريقية، فنقلت مؤاماتها وجهودها إلى رأس القارة – إلى مصر – عسى أن تضرب السودان (قلب إفريقية) إذا تم لها ضرب مصر (رأس إفريقية)، فنصبت شباك الديون والقروض وأوقعت فيها حكام مصر، وتدخلت في شؤونها وراحت تملى أوامرها في كل شأن بما في ذلك إرادة السودان. فحين سلمت واعترفت بحدود السودان ووحدته استدارت من ناحية أخرى لتحطم وتفتت هذه الوحدة، وفرضت على مصر (التي كانت قد خضعت لها) تعيين (غوردون) حاكمًا عامًا للسودان (ويا للسخرية، مصر تحكم السودان والحاكم غوردون)، وجاء (غوردون) - الذي طرد من قبل – لا مديرًا للجنوب فحسب بل حاكمًا عامًا يحمل خطة واضحة لتحقيق ذات الأهداف القديمة، وهي:  تفتيت السودان وعدم السماح لدولة بهذا الاتساع برفع هامتها في قلب القارة.  القضاء على الدين الإسلامي.  محاصرة العنصر العربي في السودان وإضعاف شانه وتحطيمه. وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف الخبيثة استخدم الأساليب التالية: أساليب غوردون:  عزل جميع الموظفين النابهين ذوي السمعة الحسنة والسيرة النبيلة – مصريين وسودانيين – ولم يكن يطيق أي سودني نابه يتفهم مشكلات بلاده ويعمل لإسعادها.  جاء بجيش من الموظفين المرتزقة من أوباش الأمم، وكان شرطه الأول والأخير فيمن يعمل معه أن يكون عنصريًا متعصبًا للرجل الأبيض.  عمل على بعث الروح القبلية بين أهل البلاد، وراح يوقع بين كل قبيلة وأخرى، وألزم كل سوداني أن يكتب بجوار اسمه في الأوراق الرسمية كشهادة الميلاد ونحوها اسم القبيلة التي ينحدر منها، حتى لا ينعم أهل البلاد بالأخوة الكاملة.  عمل على تحطيم العقيدة الإسلامية في نفوس الشعب، فأوعز إلى بعض رجاله الأوروبيين فادعوا الإسلام، ولبسوا ملابس المشايخ أصحاب الطرق، وادعوا التفقه في الدين، وأخذوا في إفتاء الناس على هواهم، وقاموا بنفس الدور الذي قام به من قبل (عبد الله بن سبأ) و(كعب الأحبار) اليهوديين، وكان على رأس هؤلاء الألماني الذي تسمى باسم الشيخ (أمين) وكان يوزع البركات ويمنح العهود.  وأصدر غوردون أمرًا أباح به البغاء العلني، واستقدم جيشًا من العاهرات، وأباح لهنَّ السكنى في أي مكان ولو بجوار المساجد والزوايا والمدارس.  عمل على فصل جنوب السودان عن شماله، فقد ظهرت صحيفة المكتشف الإيطالية في تلك الفترة وفيها على لسان أحد معاوني غوردون الإيطاليين: "يجب أن نفصل تمامًا البلاد السوداء – أي بلاد الزنوج – عن البلاد العربية، من السودان والتي يهيمن عليها العرب، وأن تجمع تحت إدارة مستقلة واحدة أراضي بحر الغزال ومديرية خط الاستواء، ذلك أن العرب الموجودين في السودان ليسوا إلا لصوصًا وشحاذين يجب إرجاعهم إلى بلادهم الأصلية".  عمل على التخلص من الزعيم السوداني الخطير (الزبير رحمت شاه) فرفض رجوعه إلى السودان.  وظن غوردون أن جهوده قد أثمرت وما غرسه من شر قد آتى أكله، فخلى منصبه وذهب ليستريح وهو واثق من أنه حقق أهدافه الاستعمارية الخبيثة. أثر خطة غوردون: ولكن حالة البلاد كانت كما صورها أحد علماء السودان في رسالة إلى أستاذه بالأزهر يقول فيها: "... إن الحكومة التي يرأسها غوردون كأسد كاسر والأهالي كالأنعام الضالة لا راعي لها غير الأسد، هذه حالنا اليوم، وأنا أؤكد لك أن هذه الأحوال لن تدوم إلا أيامًا قلائل، وسترى أن الأغنام ستنقلب إلى ذئاب، وسيقودها أسد كاسر، ويموت الأسد الظالم شر ميتة". وكأنما كان هذا العالم يقرأ من كتاب مفتوح. ثورة السودان: إزاء ما حل بالبلاد من أعمال غوردون وإفساده أخذت النفوس في الغليان واضطرمت النار في القلوب حتى فجرها ثورة عارمة الرجل الطاهر "محمد أحمد المهدي" وليس بغريب أن تقوم في مصر حركة مماثلة في نفس الوقت وعينه هي حركة عرابي، وليس عجيبًا أيضًا أنه كان بين الحركتين مراسلات سرية، فقد كان الغرض واحدًا والظروف التي أدت إليهما واحدة وهي عبث الاستعمار بأقدار السودانيين والمصريين معًا، ولسوء الحظ سقطت ثورة عرابي مبكرة، ووقعت مصر تمامًا في يد الإنجليز، واستمرت الثورة المهدية تتفجر في شتى أنحاء السودان، ورفع لواءها في الشرق أمير أمراء الشرق "عثمان دقتة" وأخذت في تطهير البلاد من رجس الإنجليز أو الكفار - كما كانوا يطلقون عليهم – وأبلى الشعب السوداني في هذا المجال بلاء حسنًا، وجعل الإنجليز يتأكدون أن المقاومة مستحيلة، وكان من الطبيعي أن تخرج انجلترا أو تترك السودان لأهله، ولكن انجلترا المعروفة بالخبث والدهاء دبرت أمرًا، فإذا كان الخروج لابد منه فيجب أن تمزق البلاد أولاً وتتركها شيعًا وأحزابًا ثم تنادي كل الدول المستعمرة لاقتسامها. غوردون مرة ثالثة: وتذكرت انجلترا داهيتها الخبيث فاستدعته للسودان فورًا بحجة الإشراف على إخلاء السودان، وجاءت تلك اللعنة المسماة (غوردون) أراد أن ينفث سمومه على النحو التالي:  حاول الإيقاع بين زعماء المهدية وإثارة التنافس بينهم.  حاول إحياء الأسرات الحاكمة القديمة ودعاهم إلى المطالبة بإرثهم.  بل أكثر من ذلك حاول إرجاع الزبير رحمت باشا ظانًا أنه سينافس زعماء الثورة. ولكن البلاد كانت قد تحصنت ضد هذه السموم، فباء بالفشل وعز عليه ذلك، فبدلاً من أن يجمع فلوله ويخرج غيَّر من وجهته وركب رأسه وأعلن القتال وطلب الامدادات، وكان الله أراد بعد له أن يمزقه السودان جزاءً على محاولته تمزيق السودان، وقتل شر قتله كما تنبأ بذلك العالِم السوداني في رسالته إلى أستاذه بالأزهر. وإذا كان غوردون قد فشل في بذر الفتن وتفتيت وحدة الشعب السوداني الثائر فقد بقي لانجلترا الشطر الآخر من مؤامراتها، فأعلنت بعد سحب قواتها من السودان أن السودان أرض خالية لمن يشاء. (وكان العرف الاستعماري يسمح بالتهام أي بلاد توصف بهذا الوصف) وظلت انجلترا أن حلمها القديم في القضاء على أكبر دولة في إفريقيا قد تحقق، ودخلت في مفاوضات مع الدول المستعمرة من أجل توزيع السودان. وكان من النتائج ذلك ما يلي: أخذت إيطاليا (بيلول) شمال خليج (عصب) والمنطقة الساحلية قرب (مصوع) والجزء الذي يعرف الآن باسم (أرتيريا)، كما سمحت لها انجلترا بأخذ مدينة (كسلا)، ولولا استبسال السودانيين في الدفاع عنها لوضعت إيطاليا يدها عليها. وأخذت الحبشة مدينة (هرر) والمنطقة المحيطة بها.  انتزعت انجلترا الجهات المطلة على بحيرة (فيكتوريا) ووضعت فيها أساس مستعمرة أوغندا وجعلتها كنواة أو مركز لمستعمراتها في إفريقيا.  أخذت بلجيكا القسم السوداني من مديرية بحر الغزال غرب خط ثلاثين. أما فرنسا فلم ترض بنصيبها واختلفت مع انجلترا ورفضت ذلك النصيب، واتفقت مع الحبشة على اقتسام كل الأجزاء الباقية من السودان فيما بينهما، على أن تدخل جيوش فرنسا من غرب السودان، وتقابلها جيوش الحبشة من الشرق، ودخلت جيوش فرنسا حتى وصلت (فاشودة) ورفعت عليها العلم الفرنسي6. الإنجليز مرة ثانية: خافت بريطانيا من فرنسا والحبشة على نصيبها من السودان (وهي التي توزع الأسلاب) فعمدت كدأبها إلى حيلة ماكرة خبيثة فقالت لانجلترا – أي أن انجلترا قالت لانجلترا – أعني أن انجلترا أمرت ممثلها في مصر – وهو الحامك الفعلي آنذاك أن تعود مصر إلى السودان. وجاءت الجيوش بقيادة إنجليزية وخطة إنجليزية وتتستر وراء العلم المصري، وراح القائد الإنجليزي يقول: اخرجوا من السودان فأنا ممثل مصر، ممثل الدولة العلية صاحبة الحق في السودان. وفعلاً وأمام هذه الحجة خرجت فرنسا، وأحبط الاتفاق بينها وبين الحبشة، وعادت انجلترا إلى السودان، وبدأ ما سمي بالحكم الثنائي بناء على اتفاقية بين مصر وانجلترا (بالاسم) وفي الواقع (بين انجلترا وانجلترا) فقد كانت مصر في قبضة الإنجليز تمامًا في ذلك الحين، ويظهر ذلك جليًا إذا ما علمت أن هذه الاتفاقية جاء فيها ما يلي: "... تفوض الرئاسة العليا العسكرية والمدنية في السودان إلى موظف واحد يلقب بـ (حاكم عموم السودان) انجليزي الجنسية، تختاره انجلترا وتعينه مصر". ولك أن تضحك أو تبكي فهذا هو نص الاتفاقية، الحاكم انجليزي، يختاره الإنجليز وتعينه مصر. أغرب آلة من آلات الحكم، كما يقول المؤرخ السوداني مكي شبيكة. أعطي هذا الحاكم سلطات لم يعرفها التاريخ لفرد واحد في العصور المظلمة، فقد كان المنشور الذي يصدره الحاكم العام له قوة القانون، ومن حقه أن يبطل أو يسن أو يعدل أي قانون (المادة الرابعة من الاتفاقية). سياسة الحاكم الإنجليزي:  من الطبيعي أن يكون هدف الحاكم الجديد هو نفس هدف (غوردون) فلم تتحول انجلترا أبدًا عن تلك الأهداف التي أسلفنا ذكرها – حتى إلى الآن – أما وسائل الحاكم الجديد فكانت أيضًا نفس الوسائل، إلا أنه زاد عليها ما هو اشد منها وأحكم، حيث فضح الشعب وسائل غوردون وفهم خبثها ولؤمها، ولذا عمد الحاكم العام إلى سياسة مستورة ملفوفة في الحرير والديباج. ومن أمثلة ذلك:  اختار جميع المديرين من الإنجليز وأعطاهم سلطات لا حد لها.  جعل معظم الموظفين من الإنجليز وقصر عليهم الوظائف القيادية والهامة ذات الشأن.  اختار موظفيه على درجة عالية من التعليم، وأهلوا تأهيلاً خاصًا لمدة ع ام كامل في لندن، ثم في الخرطوم، حتى يحسنوا تنفيذ الجزء النفسي نم الخطة المدبرة، ومما يدل على الاعتماد على الموظفين الإنجليز اعتمادًا كاملاً، أن لجنة (سودنة) الوظائف حين قدمت تقديرها عام 1955م جاء فيه: "أن عدد الوظائف التي كان يشغلها انجليز 1069 في مجالات الإدارة والبوليس والدفاع والزراعة والغابات والثروة الحيوانية والجمارك والمالية والتعليم والمساحة و...إلخ". بينما كانت الوظائف المصرية 103 وظيفة، معظمها في السكة الحديد والصحة، وليس بينها وظيفة واحدة في الإدارة أو البوليس أو الدفاع. شمال وجنوب: رأت انجلترا أن كل جهود غوردون وجرائمه وكل مكر ودهاء سياسية الحاكم العام، لم تحقق أهدافها، فما زال السودانيون يتمسكون بالدين الإسلامي، ومازال الإسلام ينتشر داخل الجنوب، ومازال السودانيون – رغم كل المؤامرات والدسائس – يشعرون بالوحدة التي تربطهم وتؤلف بينهم، فأرادت - وقد انفردت بالسودان تمامًا - أن تتخذ تدابير أقسى وأعنف فأصدرت: قانون المناطق المقفولة: ونعني بذلك تحريم دخول بعض مناطق السودان على السودانيين من المناطق الأخرى إلا بتصريح خاص من المدير، يحدد فيه مدة الزيارة ومكانها والغرض منها، وحدد القانون هذه المناطق بما يلي:  مديرية دارفور.  مديرة بحر الغزال.  مديرية منجالا.  مديرية السوباط ومركز بيور.  ما يقع بين مدينتي حلفا ودنقلا إلى الغرب من مسافة 30 ميلاً من النهر.  جميع مديرية كردفان (تقريبًا).  جميع مديرية جبال النوبة (تقريبًا). ومن النظرة الأولى لهذه المناطق، نرى أنها تشمل جهات ذات طابعين مختلفين تمام الاختلاف:  جهات الجنوب التي لم يتم نمو العروبة فيها.  جهات الغرب التي فيها العرب الأشداء وتأصل الإسلام فيها ونمت حضارته. وقد يبدو هذا التباين غريبًا لأول وهلة، ولكن الغرض من ذلك هو قفل مناطق الجنوب لتعدهم على هواها، وقفل مناطق الغرب لتمنع أو تحاصر نور الحضارة الإسلامية حتى لا يصل إلى الجنوب، ثم لتعوق نمو الشعب وتماسكه ولتبعث روح العصبية العمياء. فصل الجنوب: وفي ظل قانون المناطق المقفولة وتحت ستاره اتخذت الخطوات الآتية لإتمام الفصل النهائي بين الشمال والجنوب:   إقصاء الدين الإسلامي من الجنوب وإزالة كل ما يذكر به، فمن ذلك:  إلغاء المحاكم الشرعية من الجنوب. إخراج المسلمين وإبعادهم عن الجنوب، فأخرجت الجماعات المسلمة بالقوة ورحلوا إلى كسلا. نقل السكان حديثي الإسلام من قراهم ومدنهم كما حدث في (كافيا كنجي) وفي (راجا)، وذلك بقصد إبعادهم عن المساجد وتركها للبوم والغربان. عدم استخدام أي مسلم يؤدي شعائر دينه ويتحمس لله في أي عمل بالجنوب، ولذا كان الموظفون الذين يريدون العمل بالجنوب يخفون استمساكهم بشعائر دينهم، كما كان الذين يريدون الرحيل من الجنوب يكفيهم أن يصلوا ركعة واحدة، بحيث لا يراهم أحد الإنجليز فينقلون فورًا. لم تعترف السلطات الرسمية بالأسماء العربية، التي تسمى بها الجنوبيون وأرغمتهم على اختيار أسماء أخرى تقدمها لهم الإرساليات التبشيرية مثل: جون، وليام، أندريه، ألبير.  الفصل التام الحاسم بين الشماليين والجنوبيين، فقررت:  عدم تجديد رخص التجار الشماليين. محاربة اللغة العربية والقضاء عليها. عدم استعمال لفظ (شيخ) أو (سلطان) لرؤساء القبائل حتى لا تحمل إلى الأذهان أي صورة أو ذكرى للعروبة والإسلام. كما منع أبناء الجنوب من الخروج إلى الشمال، ومن يخرج يتعرض للعقوبة.  بذل المستعمر كل جهده لتكوين مجتمع في الجنوب غير مشاكل أو مشابه لمجتمع الشمال. ولذا حرم استيراد الملابس التي يلبسها أهل الشمال (العباءة) (الجلابية) وإن أريد ملابس فليكن القميص والشورت.  ابتكر نظامًا إداريًا وطريقة في الحكم تغاير تمامًا نظام وطريقة الحكم في الشمال.  عمل على نشر اللغات القبلية.  حاول تعليم اللغة الإنجليزية لتكون لغة التفاهم.  عمل على إشاعة روح الذعر والخوف في نفوس الجنوبيين من إخوانهم الشماليين.  استخدم قانون المناطق المقفولة في وقف عملية التطور في الجنوب ليظلوا في حاجة إلى من يرعاهم.  استخدم الإرساليات التبشيرية لتعميق الفصل بين الجنوب والشمال وإمعانًا في التفتيت. كانت هذه الإرساليات من جنسيات مختلفة ومذاهب متعددة، ولكل منها منطقة نفوذ خاصة، وذلك حتى يتفكك الجنوب نفسه، وكان استغلال الإرساليات التبشيرية للمسيحية السمحة نسجًا على منوال غوردون الذي حال بين ملك أوغندا والإسلام، وحاول إدخاله (الدين الأوروبي) كما سماه (غوردون). ومما يدل على وعي هذه الإرساليات بحقيقة الدور الذي أريد منها، وحرصها على عدم الاتصال بين الشمال والجنوب، أنها قدمت تقريرًا جاء فيه: "... ليس من الحصافة تجاهل خطر اتصال الجنوب بالشمال، عبر الممر المائي في منطقة السدود، ويجب غلق هذا الباب، لأن طلبة الجنوب الذين ينتهون من تعليمهم سوف يذهبون إلى كلية غوردون بالخرطوم حيث تسود الديانة الإسلامية". ومن العجيب أن الإدارة استجابت لهذا التقرير وأوقفت الاتصال بين الشمال والجنوب. وكان المبشرون يرسلون من يرغبون في إتمام تعليمهم إلى كلية (مكرري) بأوغندا - عاصمة الاستعمار الإنجليزي آنذاك – حتى لا يرون الشمال والخرطوم عاصمة بلادهم. كانت هذه الإرساليات تعيش في بذخ وترف لا حد له، رغم أن الحكومة كانت تحمل 98% من نفقاتهم وهي تزعم أنها تساهم في نشر التعليم خدمة للإنسانية. ومما يزيد التأكيد والبيان بهدف التبشير في الجنوب، أن أحد الأفراد الذين أرسلهم غوردون إلى ملك أوغندا عام 1873م قل وهو عائد في الطريق، ووجد في جيبه رسالة إلى المسئولين في لندن تطلب سرعة إرسال مبشرين (لإدخال هؤلاء الوثنين في النفوذ الإنجليزي)، هكذا.. ولعل هذه كانت أول صيحة لاستخدام المسيحية السمحة سلاحًا في يد الاستعمار. كانت الطرق التي تشق بالجنوب تتجه إلى أوغندا مركز الاستعمار البريطاني في إفريقية. وقد يبدو للبعض أو يطوف بالذهن أن هذه التدابير ربما كانت مصادفة لا رابط بينها، ولكن من يطلع على بيان الحاكم العام الذي أصدره عام 1930م عن سياسته في السودان نجده يذكر كل هذه التدابير وبكل تفصيل. الهدف من تعويق تطور الجنوب: إن انجلترا قد صرحت بهذا الهدف بكل جرأة، لا تحسد عليها أمام مجلس الأمن في سنة 1947م عند نظر شكوى مصر، وتنديدها بإجراءات إنجلترا في الجنوب، فقال المندوب الإنجليزي أن ضم الجنوب لسائر جهات إفريقية أي مستعمرات بريطانيا قد تدرسه هيئة دولية فيما بعد، إذ ربما كان في ذلك فائدة لهذه المناطق. كما رأينا تصريحهم بشأن فصل الجنوب في تقرير جماعة (الفابيان) التي تمثل فلاسفة حزب العمال: أن كل الادعاءات تتضاءل أمام الاعتبارات التي تحتم فصل جنوب السودان عن منطقة العرب في الشمال لأنه ينتسب إلى قارة إفريقية، أما منطقة الشمال العربية فلا ينتسب لإفريقية في نظرهم. وتكشف انجلترا النقاب عن هدفها من فصل الجنوب وتعويقه حين يطالب المفاوض المصري عام 1950م إعطاء السودان حق تقرير المصير، فيقول المفاوض الإنجليزي: إن سحب جيشنا من السودان أمر غير عملي لأن انجلترا مسئولة عن شعب السودان، وعن 2,5 مليون من الوثنين في الجنوب محتاجين إلى الحماية الإنجليزية من أهل الشمال الذين يتكلمون اللغة العربية، أي ليبق السودان متأخرًا حتى يكون في حاجة إلى رعايتنا، فإذا نضج فليبق الجنوب خائفًا من الشمال حتى تبقى لطمأنته والمحافظة عليه، وانظر هنا العنصرية والطائفية الدينية التي تزكي إنجلترا أوراها وتتمسك بها وتدعو إليها في القرن العشرين. صمود الإسلام: بعد كل هذه الجهود الدائبة ماذا كانت النتيجة؟ هل تحققت أحقاد المستعمرين والمبشرين وأطماعهم؟  ليسمح القارئ الكريم أن أقدم إليه بعض الحقائق والنتائج:  أعلن الجنوبيون في المؤتمر الذي اضطرت انجلترا إلى عقده في جوبا عام 1947م أنهم لا يريدون إلا الاندماج في الوطن الأم مع إخوانهم الشماليين.  فشلت كل الإرساليات التبشيرية في نشر المسيحية فما زالت الأغلبية وثنية، وكل الذين تبعوا هذه الإرساليات عددهم 180 ألفًا من 2,5 مليون.  مازال عدد المسلمين يزداد، وذلك بدون مساندة من دولة أو مساعدة من جمعية، وصار عدد المسلمين أضعاف عدد المسيحيين.  مازالت قبائل الجنوب تتفاهم فيما بينها باللغة العربية المعروفة بلهجة (جوبا).  اضطرت انجلترا للتسليم بوحدة السودان في اتفاقية عام 1953م وخرجت صاغرة تمارس ألاعيبها مع الخونة والمرتزقة من خلف الستار.  في سنة 1965م عقد الجنوبيون مؤتمرًا في الخرطوم لم يجدوا وسيلة للتفاهم غير اللغة العربية.  من تصريحات المسئولين يظهر بوضوح أن المتمردين ليسوا إلا حفنة ضئيلة من العملاء والمرتزقة.  هناك حزب قوي من أبناء الجنوب ينادي بضرب الخونة والمرتزقة، والمحافظة على وحدة التراب السوداني. ألستم معي أيها القراء الكرام أن شعب السودان يستحق التحية في شماله وجنوبه، إذا خرج بعد كل هذه التدابير واثقًا بنفسه مؤمنًا بوحدته، وأن المستعمر الحاقد قد فشل فشلاً ذريعًا. وأخيـــرًا: وقد رأينا كيف .. ومتى .. وأين .. ولحساب من .. غزلت ونسجت مشكلة الجنوب، ومن الذي غزلها ونسجها، يحق لنا أن نسأل: بأي وجه تتباكى دول الاستعمار على الجنوب المتخلف والإنسانية المعذبة؟ ماذا فعلت طوال حكمها الذي استمر ما يقرب من مائة سنة من 1877 – 1956م؟ أليست هذه هي تركتها وهذا هو إرثها شمال متخلف وجنوب يعيش في عصر ما قبل التاريخ؟ أليس الواجب على الأمم المتحدة أن تسجل على هؤلاء الإنجليز – رواد الحضارة وسند الإنسانية – كيف داسوا حقوق الإنسان بأقدامهم في جنوب السودان وكذلك في شماله؟ من لنا يسجل على هؤلاء المجرمين جرائمهم؟ هؤلاء الذين يحتضنون المتمردين ويتباكون، هؤلاء الذين على ما لحقهم من (ظلم وعسف واستبداد) على يد إخوانهم الشماليين. نقول له: حقًّا .. إذا لم تستح فافعل ما شئت .. أو قل ما شئت. حقائق عن الجنوب: ولعل من المناسب أن أقدم بعض الحقائق السريعة الموجزة عن الجنوب: تبلغ مساحته حوالي 25% من مساحة السودان. يبلغ تعداد سكانه حوالي 25% من عدد سكان السودان.  ينقسم إداريًا إلى ثلاث مدريات: بحر الغزال وعاصمتها (واو) والاستوائية وعاصمتها (جوبا) وأعالي النيل وعاصمتها (ملكال). ينقسم سكان الجنوب إلى ثلاث مجموعات رئيسية: القبائل النيلية، القبائل النيلية الحامية، القبائل السودانية. وأهم القبائل النيلية: (الشلك، والدتكا والتوبر)، وتكون هذه القبائل أغلبية سكان الجنوب، وتعتمد على الرعي والصيد وتقيم في بحر الغزال وأعالي النيل. وأما القبائل السودانية فمقرها الجنوب الغربي، وأهم قبيلة فيها هي قبيلة الزاندي، وهذه القبائل تعتمد على الزراعة حيث لا تسمح الطبيعة بالرعي وتربية الماشية، لانتشار ذبابة التسي تسي. يتكلم أهل الجنوب حوالي 50 لهجة مختلفة من لهجات السودان البالغ عددها 110 لهجة، ولكن لغة التفاهم بينهم جميعًا هي اللغة العربية، كما ذكرنا من قبل باللهجة المعروفة بلهجة (جوبا). Page Break المحتويات جنوب السودان8 السودان والتاريخ:8 غوردون مرة ثانية:13 أساليب غوردون:13 أثر خطة غوردون:15 ثورة السودان:15 غوردون مرة ثالثة:16 الإنجليز مرة ثانية:17 سياسة الحاكم الإنجليزي:18 شمال وجنوب:19 قانون المناطق المقفولة:19 فصل الجنوب:20 الهدف من تعويق تطور الجنوب:23 صمود الإسلام:24 وأخيـــرًا:25 حقائق عن الجنوب:26

د. عبد العظيم الديب

حضارتين ( نحن والآخرون )

ذات مساء منصَرف الناس من صلاة المغرب ، وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما يمر بإحدى طرق المدينة، إذ رأى ثلاثة رجال يتناجون (أبو لؤلؤة المجوسي، والهرمزان، وجُفينة)، فلما اقترب منهم وألقى عليهم التحية، ظهر عليهم ارتباكٌ شديد، ووقع بينهم خنجرٌ على الأرض، كان الخنجر ذا شكلٍ مميز (له رأسان) بحيث لفت نظر عبد الرحمن بن أبي بكر، وتأمله تمامًا. ولكنه مضى لحاله، ولم يشغل باله كثيرًا بما رأى، من ارتباكهم الظاهر، والخنجر الغريب. وفي فجر اليوم التالي وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يتقدم الناس إلى المحراب، ليؤمهم في صلاة الفجر، فوجئ المصلون بمن يبادر عمر بالطعنات الست القاتلة، ويتحامل عمر على نفسه، ويقول: أفيكم عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا: نعم. قال: تقدم فصلِّ بالناس. أحاط المسلمون بالقاتل، وقبضوا عليه، وفي القوم عبد الرحمن بن أبي بكر، فنظر في وجه القاتل، فإذا هو أبو لؤلؤة المجوسي، أحد المريبين الذين رآهم عشية هذا الصباح، ونظر إلى الخنجر الذي قُتل به عمر، فإذا هو نفس الخنجر الغريب الذي رآه مع الثلاثة، صاح عبد الرحمن بن أبي بكر قائلاً: هذا هو الخنجر الذي رأيته أمس، وحدَّث بما رأى من اجتماع أبي لؤلؤة والهرمزان وجُفينة. أصغى عُبيد الله بن عمر إلى حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم جميعًا، وأيقن أن الثلاثة شركاء في قتل أبيه، فأخذ سيفه وقتل الهرمزان وجُفَينة، وقبض على عُبيد الله بن عمر، ابن أمير المؤمنين، وسجن في دار سعد بن أبي وقاص. حتى إذا فرغ المسلمون من دفن أمير المؤمنين عمر، والبيعة لعثمان بن عفان، جلس عثمان ينظر في أول قضية في عهده. قال عثمان رضي الله عنه: أشيروا عليَّ أيها الناس في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق؟؟ فقال عليٌّ: أرى أن تقتله!!  فقال بعضُ المهاجرين: قُتل أمير المؤمنين بالأمس، ويقتل ابنه اليوم!! فقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على الناس سلطان. وعلا الناسَ وجومٌ وهمٌّ، (وأظلمت الدنيا بهم ثلاثَ ليالٍ)، هكذا وصف المؤرخون حالهم!! موقف عصيب!! أيقتل ابن أمير المؤمنين ودم أبيه لم يجف بعد؟ أم يعطل حدٌّ من حدود الله. وكان تفاوض وتشاور وتجادل (يعني حوار)!!! وأخيرًا انتصر الرأي الذي ينادي بالقصاص وبقتل ابن أمير المؤمنين قصاصًا!! ويروي الطبري بسنده (4/243) عن ابن الهرمزان قال: "لما ولي عثمان دعاني، فأمكنني من عُبيد الله بن عمر، ثم قال: يا بُنيَّ! هذا قاتل أبيك، وأنت أولى بقتله منَّا، فاذهب فاقتله. فخرجت به، وما في الأرض أحدٌ إلاَّ معي (أي خرج الناس وراءهما) إلا أنهم يطلبون إليَّ فيه (أي يرجونه العفو والاكتفاء بالدية، كما هو مفسَّر في روايات أخرى). فقلت لهم: ألِي قَتْلُه؟  قالوا: نعم! وسبّوا عُبيد الله!! فقلتُ ألكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا. وسبّوه!! فتركته لله ولهم، فاحتملوني؛ فوالله ما بلغتُ المنزل إلاَّ على رؤوس الرجال وأكفهم (تقديرًا لعفوه عن القصاص ورضاه بالدية). · اغتيالٌ لرأس الدولة!! وليس مجرد محاولة فاشلة!! والمؤامرة (الأجنبية واضحة)، ومع ذلك لا يُقتل إلا القاتل وحده!! قالها عمر وهو في النزع: "لا تقتلوا غير قاتلي، ولا تمثلوا به". · ويحاكم ابن أمير المؤمنين، ويحكم عليه بالإعدام، ويسلم لابن القتيل (الأجنبي) مع وجود القرائن القوية على اشتراك (الهرمزان) في الجريمة. · وكل ذلك لا يُرضي المؤرخين المسلمين، فيعلِّق منهم من يعلِّق قائلاً: "وكانت هذه أول ثغرة في الإسلام". يعني أول تهاون في تنفيذ حدّ الله!! ومع أن ولي الدم قد عفا عن القصاص، وهذا حقه شرعًا بنص القرآن الكريم، فكأن مؤرخنا العظيم استشعر أن هناك نوعًا من التأثير الأدبي أو الضغط النفسي قد تعرض له ولي الدم من أجل أن يعفو. هذا نحن !!! فانظر أين هم !!! 

د. عبد العظيم الديب

خيبر .. خيبر

غداة اليوم الحزين أشأم يوم في تاريخ المسلمين – ولا أقول العرب – يوم الحادي عشر من يونيو سنة 1967م، اليوم السادس من حرب الأيام الستة، غداة هذه اليوم البائس، وقفت جولدا مائير (رئيسة وزراء العدو) على حدود الأردن، بعد أن هنأت قواد جيشها وجنوده، بهذا الاجتياح المريع للقوى العربية وللأرض العربية، ثم تطلعت هناك إلى الجنوب وأطالت التطلع، واستغرقت في تأمل عميق، وسبحت مع آمالها وخيالاتها، ولما طال هذا الاستغراق وذلك التأمل شعرت بالتساؤل في عيون من حولها من المرافقين والمساعدين، فأجابتهم بروح المنتصر وعزيمة الواثق:  "إني أتطلع إلى ثَرى أجدادي في خيبر". كذا قالت جولد مائير غداة هذا اليوم الحزين، قالت هذا وهي تتطلع إلى (يثرب)، إلى مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فهي جزء من خريطة إسرائيل المرسومة على جدار الكنيست، والتي وزعوها في نيويورك أكثر من مرة. وعلى حين قالت هذا جولد مائير كان (موشى ديان) وزير الحرب يومها، وهو يعلق على دخول جيشه (القدس) يقول: "الآن أصبح الطريق مفتوحًا أمامنا إلى المدينة ومكة"، ويومها أذيع هذا وشاع وانتشر في كل مكان في العالم، ربما إلا في صحافتنا ووسائل إعلامنا، لأن هذا كلام يؤلم ويثير الحفيظة ويبلبل الخواطر، وهم يريدون للناس الهدوء والسعادة، حتى يستمتعوا بالسهرات والمسرحيات والمسلسلات في أمن وسكون، من غير تكدير الخواطر، وإهاجة المخاوف وإثارة النكد. يومها لم يتساءل أحد لماذا (خيبر) بالذات؟ .. يومها لم يتساءل أحد ما علاقة هذه المرأة العصرية التي ولدت وعاشت في أوروبا بخيبر؟ من الذي ذكرها بخيبر وعلمها تاريخ أجدادها في خيبر؟ من الذي وضع خيبر في بؤرة الشعور؟.. يومها لم يتساءل أحد عن هذا وعن سر هذا. يومها لم يذكرنا أحد بأن خيبر تمثل لهؤلاء اليهود نهاية النهاية، وقاصمة الهزائم التي قضت على آخر وكر لهم في جزيرة العرب. كانت خيبر آخر فصل في مأساة الغدر ومسلسل الخيانة الذي اصطلى به المسلمون مع اليهود، منذ جلاء بني قينقاع وبني النضير، ثم غزو بين قريظة، ثم فتح خيبر، ثم الجلاء الأخير من خيبر بعد المطاولة والملاينة والمهادنة من جانب المسلمين، ولكنهم أبدًا لم ينسوا ما فطروا عليه وجبلوا عليه من غدر وخسة وخيانة، فبعد الجولات الأولى من الصراع والغدر والخيانة واستفز أهل خيبر المسلمين مطمئنين إلى حصونهم المنيعة2 ووفرة محاصيلهم وزروعهم وثمارهم، فحاصرهم المسلمون وفتحوا ديارهم وأحاطوا بهم، ولكنهم عادوا يظهرون التوبة والندم، ويعتذرون عما كان منهم من غدر وخيانة، وتحريش للأعراب، وإثارة لأعداء الإسلام والمسلمين. ومع تكرار ذلك منهم إلا أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قبل منهم اعتذارهم، وعاهدهم على أن يبقوا في مكانهم في خيبر، في زروعهم وأرضهم، على أن يفلحوها ويزرعوها للمسلمين مقابل حصة مما يخرج من الأرض. ولأن الغدر والشر قد تكرر منهم فقد شرط عليهم المسلمون في العهد الذي عاهدوهم أن للمسلمين أن يخرجوهم متى شاءوا. وما هي إلا سنوات حتى غلب عليهم طبعهم وغلبتهم شقوتهم، فبدأت دسائسهم وعادوا لغدرهم وخيانتهم، فأجلاهم المسلمون وأخرجوهم من ديارهم من خيبر، وطهروا جزيرة العرب من آخر يهودي كان بها، تحقيقًا لوعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب". هذه خيبر في التاريخ، أما خيبر عند اليهود، عند جولد مائير وعند من علموها، فهي (الثأر) من المسلمين.. على هذا ربَّى اليهود أبناءهم!! على أن لهم ثأرًا عند المسلمين، وقد أفلحوا في غرس هذا في قلوب أبنائهم، حتى باتت عقيدة من العقائد، يترك اليهودي الأمريكي (مثلاً) بلاده وما هو فيه من رغد في العيش ورخاء ونعيم، أملاً في أن يسهم في تحقيق وعد (التوراة) والثأر للأجداد في خيبر. فعلام ربينا نحن أبناءنا؟؟ على أي شيء يقاتلون؟؟ لقد مضت أربعون عامًا ونحن ندخل لقضيتنا من مداخل مختلفة، ولا يماري أحد أنها كانت جلها للأسف مسدودة، ولنذكر يوم أن كنا نقول: "إسرائيل المزعومة" فماذا نقول الآن؟؟ وبماذا نطلب؟؟ جيش محمد سيعود: وفي هذه الظلمات الحالكة لم يفقد المؤمنون إيمانهم، لم يفقد المؤمنون إيمانهم بنصر الله، وبتحقق وعد الله، وكان (الآخرون) يقولون: الأمل صار بعيدًا، لقد امتلكت إسرائيل القنبلة النووية!!.. وكان المؤمنون يقولون: وعدنا الله بالنصر ووعد الله لن يخلف!!.. وفجأة وعلى غير توقع انبثق النور، تفجر شلال الضياء، تفتحت آفاق الأمل، أنبتت الأرض بطولة، أورقت الأرض رجولة، ظهر جيل النصر – إن شاء الله – الجيل الذي عرف الطريق، الجيل الذي عرف السلاح، عرف السلاح الذي يستنزل النصر من السماء، وما النصر إلا من عند الله. من ألْهم هذا الجيل هذا الهتاف "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سيعود"؟ من علَّم هذا الجيل ذلك التاريخ؟؟ هذا الجيل من مواليد العام الحزين 1967م فكيف امتلأ بالأمل؟ كيف امتلأ بالإيمان؟ كيف استعصى على المسخ والتشويه؟ كيف استعصى على التمييع والتمويه؟؟ كيف لم تدمره وسائل التنزييف والتدمير؟؟ كيف عرف المنبع؟ كيف ارتوى من الأصول؟ كيف وصل إلى الجذور؟ كلكم رأيتهم كيف استقبل الرصاص بالحجارة، بل كيف استقبل الرصاص بصدره، إنه جيل النصر، جيل الشهادة، إنه جيش محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي كان ينادي "هبي ريح الجنة هبي". إنه الجيل الذي عرف لغة العدو، عرف خيبر، إن كانوا يربون أبناءهم على أن لهم ثأرًا في خيبر، فقد عرف أبناؤنا – بإلهام من الله وحده – أن خيبر هي نهاية الغدر والغادرين، وهي النهاية للخيانة والخائنين. 

د. عبد العظيم الديب

إريتريا .. المأساة والتاريخ

تمهيد لابد منه:عجيب أن يظل حصار الصمت أربعة عشر عامًا كاملة.. نعم أربعة عشر عامًا من المعاناة الصامدة، وجاء الصمت الكثيف يلف الثورة الإريترية، فلم نسمع من محنة إريتريا وثورتها بوضوح إلا بعد أربعة عشر عامًا من بدئها.إريتريا المأساة والتاريخ:أربعة عشر عامًا وثلاثة ملايين مسلم يعانون التجويع والتنكيل والتشريد والإبادة بصورة تعيد إلى الأذهان محاكم التفتيش وويلاتها.وليست هذه هي المأساة، فإريتريا ليست بدعًا في ذلك، ففي كثير من أنحاء العالم يقاسي المسلمون ما يقاسيه أهل إريتريا، نعم ليست المأساة فيما يعانيه مسلموا إريتريا، فهذا قدر المسلمين، وتلك حالهم من يوم أن اصطلحت عليهم كل المذاهب، وتعاونت عليهم كل الفلسفات، حرب في كل مكان، وصراع في كل مجال، لعل أيسره مجال النار والدم، ولكن المأساة بالمحنة التي يتعرض لها إخوتنا في إريتريا والمأساة أن تظل أربعة عشر عامًا ولا تعرف، والذين يعرفون لا يقولون لأنهم إذا قالوا لا يُصدَّقون، المأسأة الحقة هي في جهل المسلمين بحقيقة ما يراد بهم أو جهل بعضهم بما يراد للبعض الآخر، واسأل معي: كم من المسلمين يحيطون بأبعاد قضية كشمير، أو شرق باكستان، أو مسلمي الهند، أو مسلمو الاتحاد السوفيتي أو المسلمين بالصين، أو بقضية قبرص أو ألبانيا أو الظبين أو مسلمي الحبشة بعامة ثم مسلمي إريتريا.نعم المأساة في هذا الجهل الصامت، أو قل في هذه المجاملة التي أصبح المسلمون يتفنون فنونها، ويروضون أنفسهم عليها عجزًا وخوفًا، فمن أجل مجاملة الامبراطور العجوز هيلاسي ضرب الحجر اللعين على أخبار الثورة الإريترية، نعم من أجل (أسد يهودا) سليل الأسر السليمانية، قام حاجز الصمت الكئيب حول المحنة الإريترية، ولولا أن سقط القناع عن وجه الإمبراطور لما أتيح لنا أن نعرف شيئًا من أخبار إريتريا.وقد لا يغن التعليق على المأساة كثيرًا، فلندع مأساة الصمت أو مأساة التجهيل، ولنتكلم عن مأساة إريتريا، ولنحاول أن نحيط بأبعادها التاريخية وأهدافها الاستراتيجية.وربما كان من المناسب ونحن نتحدث عن إريتريا أن نلم سريعًا بكلمة عن الحبشة صانعة المأساة.الحبشة:ولو سألت أي مثقف أو أي متعلم: ماذا تعرف عن الحبشة؟ لكان جواب معظمهم هي أقدم الدول المسيحية في إفريقيا وأعرقها، وهي جامعة المسيحية في إفريقيا، وهي أقدم الدول المستقلة في إفريقيا، وهي راعية منظمة الوحدة الإفريقية، وصاحبة فكرتها. هذا ما يعرفه عامة المثقفين والمتعلمين عن الحبشة، ولكن أين الحقيقة؟لا نعرف مثلاً أن الحبشة أخضعت مدة ممالك إسلامية وضمتها إلى أملاكها بالقوة، وأن نسبة المسلمين فيها تصل إلى نحو 75%، وأن الحبشة ضالعة مع كل القوى الاستعمارية العالمية والمحلية، وأن علاقتها بمنظمة الوحدة الإفريقية كانت محاولة من الإمبراطور لاحتواء المنظمة وفرض سيطرته عليها(1).إريتريـــــــــا:كلمة إريتريا نسبة إلى بحر (إريتريا)، وهي التسمية اليونانية للبحر الأحمر، وكلمة (أرتوس) باليونانية معناها الأحمر.وتمثل إريتريا شكلاً مثلثًا تقريبًا مساحته 125000كم مربع، ضلعه شاطئ البحر الأحمر بطول 1000كم، ورأسه السودان الفرنسي، وقاعدته الحدود السودانية الإريترية عند اتصاله بمديرية كسلا، وضلعه الآخر الحدود الإريترية الأثيوبية، فإريتريا في الواقع تمثل شريطًا على ساحل البحر الأحمر بطول ألف كيلومتر تبدأ من باب المندب جنوبًا.ومن أهم مدن إريتريا ميناء (مصوع) – ومعناه مكان النداء – وقد اشتقت هذه التسمية من فعل (صوع) بلغة النيجري – أي نادى – وذلك لأن الواقف على الشاطئ يمكن أن ينادي الواقف في الجزين الموازية.وعاصمتها (أسمرا) وجوها جميل معتدل، جاف، يميل إلى البرودة طوال السنة نظرًا لارتفاعها عن سطح البحر، ومبانيها منسقة وجميلة ومعنى اسمها: الغابة المزهرة، لنضرتها وكثرة زهورها.عصب: أما عصب فمن المواني الهامة، وترجع أهميتها إلى قربها من عدن والجزيرة العربية.أما مدينة كبرين فقد كانت حصنًا مصريًا قديمًا ترتفع فوق سطح البحر 1400 متر.ثروة إريتريا: إريتريا بلد غني من الناحية الزراعية، تزرع الحمضيات والفواكه بأنواعها، وكذلك القمح والشعير، والقطن والسمسم، والفول السوداني، وشتى أنواع الحبوب، بالإضافة إلى غاباتها المنتشرة التي يستفاد من أخشابها، وكذلك نباتات ألياف الجبال.أما الثروة الحيوانية فإريتريا غنية بها خاصة الإبل والبقر والماعز والضأن، كما تمتلك ثروة سمكية ومستخرجات البحري الأخرى.أما المعادن فيوجد بإريتريا الحديد والذهب والرصاص والنيكل، والملح المعدني، والاسبستوس، وأما النحاس فقد تولت استخراجه وتصديره شركة يابانية أثيوبية، وبدأت تصديره فعلاً.أما البترول فقد تم اكتشافه أخيرًا، وهناك شواهد بترولية كثيرة تبشر بالخير في هذا المجال.وإريتريا إقليم من الأقاليم الإسلامية التي كانت منبثة في شرق إفريقيا، وقد دخلها الإسلام من عصر الخلفاء عن طريق الدعوة والموعظة الحسنة، رغم ما تعرض له الدعاة من القتل والتعذيب، ورغم محاولة الأحباش الانقضاض على سواحل الجزيرة العربية، مما اضطر الأمويين في سنة 83ه إلى وضع أيديهم على جزائر (دهلك) في مواجهة شواطئ إريتريا حماية للمسلمين بها وبالساحل الشرقي الإفريقي، وتأمينًا للدعاة، ولما استتب الأمن تتابع دخول الإفريقيين في دين الله، وحيث حل الإسلام كان الإخلاء وكانت المحبة، فتزاوج مسلمو ساحل البحر الأحمر مع مسلمي الجزيرة، وصارت اللغة العربية هي لغة إريتريا، واستمرت مرتبطة بالدولة الإسلامية منذ سنة 83ه – أي أكثر من 1300 سنة.جاء في كتاب المنريزي (الإلمام بمن في الحبشة من ملوك الإسلام): إن منطقة (ياضع) – مصنوع حاليًا – كانت نابعة لولاية الحجاز، وظلت هكذا تتبع والي الحجاز حتى تمزقت الدولة العباسية على يد الشعوبيين ثم التتار.وهبت على هذا الساحل الإفريقي المسلم رياح الأحداث، وتكونت مملكة (الفرنج) الإسلامية التي اتخذت (سنار) عاصمة لها، وضمت معظم إقليم النيل الأزرق، ومناطق ساحل البحر الأحمر من (سواكن، فصوع، فعصب، فتاجورة، فيجبوتي، فبريرة)، فراس صافون) وتم لها ذلك في سنة 1504م، أي في مطلع القرن السادس عشر(1).ومرت سنون أصاب مملكة النونج ما يصيب الدول من الشيخوخة والضعف، فتوزعتها الأطماع، وكان الغرب المستعمر قد بدأ يتجه نحو إفريقية منذ أواخر القرن الثامن عشر عندما زار الرحالون مناطق السودان، وعندما تأسست الجمعية الإفريقية في لندن سنة 1788م. وبدأت انجلترا وفرنسا وإيطاليا تتحفز لالتهاب هذا الموقع الاستراتيجي الخطير. وشاء القدر أن يقدم محمد علي باسم الدولة العلية دولة الخلاف العثمانية لحماية هذه المناطق المسلمة من مواضع الاستعمار التي بدأت تعمل في أوصال القارت الأربعة تقطيعًا وتمزيقًا.وكانت حلقات مريرة من الصراع بين (مصر) ممثلة للدولة العلية وبين الدول الاستعمارية التي لجأت إلى الإيقاع بين دولة الخلافة ومصر كي ينقل إدارة هذه الأجزاء من مصر إلى والي جدة حتى يسهل على الاستعماريين التهامها بالاتفاقيات أو الشراء أو التأجير، كما كان شائعًا في ذلك الوقت، ولكن مصر وقفت لهم بالمرصاد صامدة، ونجحت في إقناع الخليفة العثماني بالتنازل نهائيًا عن إدارة هذه المناطق وضمها إلى مصر، وبهذا صارت هذه المناطق جزءًا من السودان الذي تولت مصر إدارة نيابة من الخلافة العثمانية.وفي سنة 1877م اضطرت انجلترا إلى عقد معاهدة مع مصر وضحت حدود السودان، وبمقتضى هذه المعاهدة وضعت خرائط رسمية معترف بها دوليًّا، وتبين أن (مصوع ومصب وجيبوتي وزيلع وهرر وبربرة ورأس صافون) كلها من السودان، أي من أملاك الدولة العثمانية(1).ومع ذلك لم ييئس الاستعمار واستمرت مؤامراته، فتقدمت انجلترا لرأس القارة ومدخلها (إلى مصر) ومارست دسائسها حتى أوقعتها في الديون، وبالتالي الاضطراب، ثم الثورة العرابية، ثم الاحتلال.وعندما تراخت قبضة مصر عن جنوبها وعن السودان بدأت الدول الاستعمارية تتوثب لتحقيق أطماعها القديمة في ساحل إفريقية الشرقي، فاحتلت إيطاليا (بيلول) في شمال خليج مصب، وقامت بالاستيلاء على المنطقة الساحلية قرب (مصوع) ومدت سيطرتها على باقي الأجزاء التي سموها فيما بعد باسم (إريتريا)، ووقَّع إمبراطور الحبشة معاهدة مع إيطاليا يقر ملكيتها لإريتريا، وأثناء ثورة المهدي بالسودان أرادت انجلترا أن تدعم علاقتها مع الحبشة على حساب السودان، فسمحت (لمنلبك) والي الحبشة بالاستيلاء على (هرر) وانتزاعها من الأملاك السودانية، ونجح هذا الملك في خطته وقتل ملك هذه المدينة المسلم سنة 1887م، ثم أرسل برقية إلى القائد الإنجليزي في عدن يفتخر فيها بقتل الأمير عبد الله حاكم (هرر)(2).وهكذا تم بتر هذا الجزء الساحلي من السودان، أي من أملاك الدولة العلية، دولة الخلافة، وتوزعته الحبشة وإيطاليا بالتآمر مع انجلترا.ومنذ مطلع القرن العشرين أخذت دولة الخلافة في الضعف والتدهور، وأخذ الاستعمار يلتهمها إقليمًا وراء إقليم: الجزائر وتونس وليبيا وسوريا لفرنسا، ومصر والسودان والعراق وفلسطين والأردن لانجلترا، وليبيا والصومال وإريتريا لإيطاليا، وشغل كل إقليم بنفسه وبمأساته.وفي أثناء الحرب العالمية الثانية سنة 1941م احتلت انجلترا (إريتريا) باسم قوات الحلفاء ضد دول المحور، وخضعت إريتريا للإدارة البريطانية التي دامت إحدى عشرة سنة ونصف سنة، إلى أن صدر قرار الأمم المتحدة في 2 ديسمبر سنة 1950م بفرض الاتحاد الفيدرالي بين إريتريا وبين أثيوبيا، وأصبح هذا القرار نافذًا من 15 سبتمبر 1952م، فأصبحت إريتريا دولة مستقلة تحت لواء التاج الأثيوبي.دور أمريكا في قرار الأمم المتحدة:بدأت خيوط المؤامرة الأمريكية الأثيوبية بخطوة غزل ذكي من جانب أثيوبيا، حيث قدم الإمبراطور هيلاسي رشوة صغيرة، فقد أهدى للسفارة الأمريكية قطعة أرض بجوار القصر الإمبراطوري في أثيوبيا، وقال: إنها عرفان مساعدة أمريكا والرئيس روزفلت لأثيوبيا في سبيل الحرية (كذا) في تلك الفترة كانت إريتريا تحت الإدارة البريطانية – كما قدمنا – بتكليف من المكتب الخارجي للمناطق الإفريقية.كانت إريتريا في ذلك الوقت مطمعًا لكل من فرنسا التي تريد توسيع مستعمرتها في الصومال الفرنسي، ولإنجلترا التي تريد ضمها إلى السودان الإنجليزي آنذاك مع ترك جزء للحبشة، وكانت أمريكا تحكم أيضًا أن يكون لها مكان في المنطقة وهي التي لم يكن دخلت ميدان الاستعمار بعد. وأما أثيوبيا فقد كانت تشعر بأنها أضعف الطامعين في إريتريا وأكثرهم شراهة في نفس الوقت، فتنتق ذهن الإمبراطور العجوز عن حيلة خبيثة تعوضه عن ضعفه، إذ ربط أثيوبيا بعجلة أمريكا، وعرض على أمريكا مشروعًا مؤداه أن يكون الملك والسيطرة على إريتريا لأثيوبيا، والانتفاع لأمريكا أو لهما معًا. ولما لم يكن لأمريكا مجرد شبهة أو وجهة نظر تتعلل لها لدخول إريتريا وجدت أن في خبث الإمبراطور وتدبيره ما يحقق لها ما تتمنى، فأخذت وجهة نظر الحبشة، وتبنت رأيها.وجاء إلى الحبشة أفويل هاريمان مبعوثًا من الخارجية الأمريكية سنة 1942م، وبحث ما يمكن أن تقدمه الحبشة إلى أمريكا إذا تم لها الاستيلاء على إريتريا، حتى يطمئن أولاً على ثمن الصفقة، وعلى الفور وافقت الحبشة على منح تسهيلات عسكرية في (أسمرا) لإنشاء مركز اتصالات واستخبارات.وفي مؤتمر الصلح سنة 1947م تقرر تشكيل لجان للبحث في شأن المستعمرات الإيطالية ومن بينها إريتريا، وبدأت اللجنة الأمريكية السوفيتية الإنجليزية الفرنسية زيارتها لإريتريا، وبالرغم من أنها شاهدت تلهف الشعب على الاستقلال والتقت بالزعماء الذين حملوا مطالب شعب إريتريا في التحرر والاستقلال التام، إلا أنها لم تتفق على رأي.وتنفيذًا لاتفاقية الصلح أحيل الموضوع إلى الأمم المتحدة في 15/9/1948م، وبدأت المناورات والمؤامرات في أروقة الأمم المتحدة، وتوالت لجان الدراسة والوفود والزيارات، ولما كانت النية مبيتة فقد عموا وصموا عما رأوا وسمعوا، وقدمت أمريكا مشروعها الذي قضي بإنشاء (اتحاد فدرالي) بين إريتريا وأثيوبيا للشعب الإريتري فيه أقصى درجة من الحكم الذاتي، ويشارك الإريتريون في حكومة اتحاد مشتركة (وهذا المشروع – كما أشرنا – يمكن للولايات المتحدة أن تؤمِّن مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة دون حاجة إلى احتلال مباشر).وكانت المواد التي تشير إلى استقلال إريتريا الذاتي والمشاركة في حكم اتحادي ...إلخ، مجرد بنود شكلية اتفق الطرفان: أمريكا وأثيوبيا على وضعها في النصف، حتى يخطر المشروع بموافقة الأمم المتحدة، ثم تتكفل حكومة أثيوبيا بإلغائها تدريجيًا وتنزع من إريتريا أية صبغة استقلالية كما حدث بالفعل.وانظر هنا نتائج وآثار التواطؤ الأمريكي الأثيوبي:في 2/12/1950م أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتحاد الفدرالي بقرارها رقم 390 بأغلبية 46 صوتًا ومعارضة كل قوى السلم والحرية.في 7/9/1951م (أي بعد أقل من مضي سنة) وقّع الجانبان الأثيوبي والأمريكي معاهدة لمنح أمريكا تسهيلات تجارية وعسكرية وبحرية في الأرض الإريترية، وذلك قبل إنشاء الحكومة الإريترية التي نصَّ قرار الأمم المتحدة على تشكيلها.في 22/5/1953م قام الإمبراطور هيلاسي بزيارة شكر للولايات المتحدة، وفي هذه الزيارة وقّع الطرفان الأثيوبي والأمريكي على اتفاقية خاصة تتمكن أمريكا بمقتضاها من أن تقيم في (أسمرا) - عاصمة إريتريا – أضخم قاعدة عسكرية للاستخبارات في إفريقية ومنطقة الشرق الأوسط، وهذا طبعًا بالإضافة إلى الامتيازات والتسهيلات العسكرية للجيوش الأمريكية التي ليس لها مثيل إلا في الأراضي المستعمرة.قرار الأمم المتحدة وموقف أثيوبيا منه:من أعجب العجب أن تصدر الأمم المتحدة قرارها هذا بالاتحاد الفدرالي من غير حق، ولا مجرد شبهة في حق، فليس هناك أي رابطة بين أثيوبيا وإريتريا من أي لون أو نوع من الروابط، بل هو كما قدمنا ثمرة تواطؤ أثيوبي أمريكي.ومن العجيب الأعجب أن يأتي في ديباجة القرار: (إن الهدف الرئيسي من إصداره هو إعطاء أثيوبيا بحر إلى البحر) هكذا... تعترف الأمم المتحدة بأن هدف القرار وضع شعب بأكمله وأرضه تحت سيطرة دولة أخرى، كي تجد لها منفذًا على البحر.سيظل هذا القرار شاهدًا على طور من أطوار المنظمة الدولية كانت فيه واقعة تحت تأثير القوى الاستعمارية الكبرى. وإذا جاز هذا المنطق فلتعد كل دولة ذات نفوذ ما تحتاجه من أراضي الدول الأخرى.إن قرار الأمم المتحدة رقم (290/أ) الخاص بالاتحاد الفدرالي بين إريتريا وأثيوبيا ينص على أن إريتريا تتمتع بحكم ذاتي على أساس المبادئ الديمقراطية، وما يتبع ذلك من وجود دستور وبرلمان وحكومة منتخبة، لضمان حقوق الإنسان والحوريات الأساسية، كما أن للإريتريين حق الاشتراك في حكومة الاتحاد على أسس ومعايير تضمن القرار تحديدًا لها، إذ ينص القرار على أن يكون للحكومة الإريترية سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية في حقل الشئون الداخلية (المادة الثانية)، وعلى أن يتكون (المجلس الإمبراطوري الاتحادي) من عددين متساويين من الممثلين الأثيوبيين والإريتريين، ويشترك مواطنو إريتريا في الجانبين التنفيذي والقضائي لحكومة الاتحاد، ويمثلون الجانب التشريعي وفقًا لأحكام القانون وبنسبة عدد سكان إريتريا إلى عدد سكان الاتحاد (المادة الخامسة).وحتى هذا القرار الحائر وهذا الاتحاد الفدرالي الظالم لم يكف أثيوبيا، فأخذت طريقها إلى مسح قرار الأمم المتحدة وطمس معالم إريتريا تمامًا، وضمها إلى أثيوبيا، وبدأت خطواتها في ذلك الطريق مبكرًا في 15/9/1952م:تعرضت إريتريا لنظام ضرائبي جائر يهدف إلى خنق الحياة الاقتصادية وتحطيم الاقتصاد الإريتري.وأجبرت كبريات المؤسسات الاقتصادية على الانتقال إلى أديس أبابا، واضطرت القوى العاملة إلى الهجرة إلى السودان والسعودية.وحظرت نشاط الأحزاب السياسية.وحلت اتحاد العمال.وملأت السجون بالمعتقلين.وصادرت جميع الصحف المحلية.وألغت تدريس اللغات التجريبية والعربية في إريتريا، متجاهلة نص المادة الثامنة من الدستور الإريتري، تلك المادة التي وضعها خبراء الأمم المتحدة نزولاً على رغبة الجماهير الإريتريا، وخضوعًا لإصرارها.وفي 14/9/1958م أمر الإمبراطور بإنزال العلم الإريتري باعتباره رمزًا من رموز السيادة والشخصية الوطنية في إريتريا.واستمر الحكم الأثيوبي يلغي بالتدريج كل مظاهر الكيان الإريتري، ويفرض سيطرته على المؤسسات الدستورية، واستمر يتحدى مشاعر الشعب الإريتري وعقيدته.ففي أغطسس سنة 1960م صدر قرار بإلغاء المحاكم الشرعية، ليحاكم المسلمون أمام المحاكم الحبشية حتى في الشئون والأحوال الشخصية.كما صدر قرار بتعديل أحكام الميراث الشرعية وتغيير الأنصبة، كما نصَّ عليها الدين.كما صدر قرار بتغيير قوانين الأحوال الشخصية، فأعطيت المرأة حق خلافة زوجها، ومنع تعدد الزوجات، وحكم باقتسام أملاك الزوج والزوجة مناصفة في حالة الطلاق.وأخيرًا في 14/11/1962م أعلن الإمبراطور إلغاؤه لقرار الأمم المتحدة بإرادته المنفردة، وأعلن اعتبار إريتريا مقاطعة من مقاطعات أثيوبيا، فألغى الدستور كلية، وحل البرلمان، وجاء من أثيوبيا حاكم عسكري عام ليحل محل رئيس السلطة التنفيذية المنتخب، وتحول القضاء الإريتري إلى جهاز من أجهزة القمع الأثيوبية..كفاح الشعب الإريتري:وأمام هذا التواطؤ الأثيوبي الأمريكي الذي سخر بالأمم المتحدة لإصدارها قرارها، وإزاء هذا الاستبداد الذي لم يكفه قرار الأمم المتحدة الجائر وفعل به ما فعل، إزاء هذا كيف كان موقف شعب إريتريا؟؟لم يستكن الشعب الإريتري ولم يغفل عما يدير له، فقد بدأ يستعد ويتحفز ضد الحكم الإيطالي، فقامت الجمعيات الشعبية ثم تحولت إلى أحزاب سياسية عقب الحرب العالمية الثانية، ثم تابعت مناقشة القضية أمام الأمم المتحدة، وقد تكونت الكتلة الاستقلالية ردًّا على مشروع التقسيم الذي قدم إلى الأمم المتحدة من وزير خارجية بريطانيا وإيطاليا، ثم على مشروع الاتحاد الفيدرالي.وأخيرًا أعلنت الثورة المسلحة بعد ما فشلت جميع المحاولات السياسية والسلمية، فانطلقت شرارة الثورة الإريترية في اليوم الأول من سبتمبر سنة 1961م، وظلت الثورة تناضل وتجاهد في ظل أقسى الظروف وأبشعها، فقد استخدم الإمبراطور وسائل القمع والإرهاب لا تجوز في شرعة ولا قانون.ولقد شاءت الظروف أن أعيش عامين قريبًا من الحدود السودانية الإريترية، وسمعتُ بأذني من شهود عيان أن أجهزة القمع الأثيوبية كانت تدخل القرية الإريترية بعد إطلاق النار على أهلها فتسقط منهم من يسقط ويفر من يفر، ويؤسر من يؤسر، ثم تحرق القرية بعد استباحتها للجنود الأثيوبيين، ثم يقتل الأسرى، ويمثل بالجثث، فتقطع إربًا إربًا، ثم توضع في عربات النقل لترمى على قرى المنطقة لكل بيت عضو، إرهابًا وتحديًا وإنذارًا لكل من تحدثه نفسه بأن ينضم إلى الثورة بأنه سيلقى مثل هذا المصير.ومع ذلك صمد الشعب الثائر، وحققت ثورته نتائج، فثلج صدر كل الأحرار والأطهار.حررت الثورة ثلثي الريف الإريتري.دارت المعارك المسلحة في قلب المدن الإريترية أسمرا وعصب.استولى الثوار على كثير من معدات الجيش الأثيوبي الذي كانت وحداته تفر أمامهم كالخراف.وصل الكفاح إلى داخل أثيوبيا، فقد تعاطف مع الثوار جماهير من أجزاء أثيوبيا ومن جموع الطلاب والعمال وغيرها.فضحت الثورة التواطؤ الأثيوبي الاستعماري بعامة، والأثيوبي الأمريكي بخاصة.يبلغ من شمول الثورة وانتشارها أن اعترف بها الخصوم والأعداء الطبيعيون. قال تشارلز جلاس مراسل شيفاجو ديلي نيوز: إنه لمس بنفسه حماسًا بين الشعب الإريتري لقواتهن وان ما تواجهه أثيوبيا هناك هو ثورة شعبية (الأهرام 13/3/1970م).وما زالت هذه الثورة التحررية تجابه قوى عظمى شرقية شيوعية تقف وراء أثيوبيا وتدعمها واستعمارية غربية تضيء للشيوعية النور الأخضر لتتقدم لسحق الثورة الإريترية الإسلامية.أليست الثورة الإريترية ثورة إسلامية، وعندما يتعلق الأمر بالإسلام فإن الشيوعية والرأسمالية تتعاونان وتنسيان ما بينهما تمامًا، فإن الإسلام في نظرها – وهذا حق – العدو الأخطر للشيوعية الملحدة وللرأسمالية الاستعمارية الحاقدة في نفس الوقت.إسرائيل في إريتريا:لقد جمع أثيوبيا وأمريكا هدف واحد ثم جمع إسرائيل نفس الهدف، فقد رأى الإمبراطور الداهية أن لإسرائيل مصالح في البحر الأحمر، وأنها يهمها إخضاع هذا الساحل الذي يمتد نحو 1000 كم لأثيوبيا، وإلا فسيصير البحر الأحمر عربيًا تمامًا، وأن على إسرائيل أن تشارك في إخضاع إريتريا، وأن تؤدي دورها في هذه المهمة، ورحبت إسرائيل محققة بذلك عدة أهداف:من الناحية الإستراتيجية العسكرية تؤمن مسافة طويلة من شاطئ البحر الأحمر، أو قل تكسر حلقة من حلقات الحصار العربي في البحر الأحمر.ومن الناحية الاقتصادية – وهذا جانب هام جدًّا – عملت إسرائيل على نهب ثروات إريتريا وشرق السودان، حيث أن قبائل (الهدتدرة) و(بني عامر) و(الأمراء) قبائل سودانية إريتريا تعيش بين إريتريا وشرق السودان، وكل ما في أيدي هذه القبائل ينساب إلى نهر التجارة الأثيوبية الإسرائيلية.جاء في نشرة خاصة أصدرتها الحكومة الأثيوبية واسمها (الزراعة والصناعة والتجارة) في الحبشة الصادرة في يونيو 1957م: بدأت شركة (أنكودي الإسرائيلية) الضخمة أعمالها في أثيوبيا سنة 1955م، وهي أكبر شركة لتعبئة اللحوم في الإمبراطورية الأثيوبية، فلها من الآلات الميكانيكية ما يمكنها من إنتاج 250,000 علبة يوميًا من اللحم السعبأ بالإضافة إلى 300 طن من اللحم المثلج، و3500 من الجلود المدبوغة شهريًا، وللشركة مصانع لتحويل فضلات اللحوم والعظام والشحم إلى مواد أخرى نافعة.. وتنتج 100 طن سماد عضوي شهريًّا من هذه المخلفات، كما تنتج طنًّا ونصفًا من قطع اللحوم التي تزن الواحدة منها اثنين كيلوجرام للاستهلاك اليومي، وتعتبر مصانع شركة (أنكودي) من المصانع العالمية للحوم، ويذبح مصنع (أنكودي) في أسمرا – عاصمة إريتريا – يوميًا 360 بقرة يشتريها بأبخس الأثمان، ولها في أسمرا مصنع كبير لدباغة الجلود. وتصدر (أنكودي) إلى إسرائيل 5000 طن سنويًا من الأسماك المطحونة التي تستخدم لتسميد الأرض، ويزداد إنشاء الشركات الإسرائيلية في إريتريا، وقد أعطيت مناطق إريترية كمقاطعات لشركات إسرائيلية تستغلها كيف تشاء، ومن ذلك منطقة (عايلت) وهي تابعة لمديرية مصوع.ولا يقف التعاون الأثيوبي الإسرائيلي عند هذا الجانب، فقد عينت الحكومة الأثيوبية اليهودي الإسرائيلي (ناتان مادين) مستشارًا قانونيًا وهو أيضًا النائب العام المختص بوضع قوانين الدولة، وتستعين أثيوبيا بمدرسين من إسرائيل، وخبراء إسرائيل في التخطيط والزراعة والسدود تموج بهم أثيوبيا دائمًا.وفي مناقشات الكونجرس السرية ما يشهد بدور إسرائيل في محاولة جمع ثورة إريتريا، فقد جاء على لسان أحد الأعضاء ردًّا على (قولبرايت) حين سأل: إلى أي مدى شاركت أمريكا وإسرائيل في برنامج مقاومة التمرد؟ قال العضو ردًّا على هذا السؤال: كان ذلك مبادرة إسرائيلية، فالإسرائيليون يعلقون أهمية خاصة على علاقتهم بأثيوبيا حيث تمثل الدولة الصديقة الوحيدة على الجانب العربي من البحر الأحمر وعليه فالبرنامج اتخذ كبادرة إسرائيلية.عروبة إريتريا:إن عروبة إريتريا ليست محل نقاش أو نظر، ولسنا – العرب – الذين نقول بذلك، بل إن أهل إريتريا ينادون به ويفخرون، والواقع – قبل كل شيء – يقول بذلك، فنظرة إلى الخريطة نرى موقع إريتريا ينطق بعروبتها، فهي على ساحل البحر الأحمر بين الصومال العربي والسودان، وحين تقدموا بمذكرتهم إلى جامعة الدول العربية كانوا يعبرون أصدق تعبير بقولهم: "إن إريتريا هي فلسطين البحر الأحمر، وإن قوى الطغيان والشر تتربص بإريتريا لا من حيث كونها دولة تطالب باستقلالها، ولكن لأنها قبل كل شيء امتداد للوطن العربي وعمق استراتيجي ظهير لنضال العرب وصراعهم التاريخي.والآن: ما موقف القوى المحبة للسلام والمناصرة للعدل؟ وقبل ذلك: ما موقف الأمم المتحدة؟ ولماذا لا تتدخل؟ مع أن الفقرة (201) من التقرير النهائي لمندوب الأمم المتحدة تقول بالحرف الواحد: " إذا نقض القرار الفدرالي فإن القضية الإريترية يمكن أن تصبح عندئذ من اختصاص الجمعية العامة للأمم المتحدة).فلم لا تتدخل الأمم المتحدة الآن؟ إنقاذًا لهذه الملايين من الفتك والتنكيل.ومع كل ذلك وبعد كل ذلك: ألست معي أيها القارئ العزيز أن المأساة في حجمها الأكبر مأساة صمتنا الجاهل بما يجري لنا، أو جهلنا الصامت بما يراد لنا؟!(1)(1) سنعود إن شاء الله إلى تفصيل الحديث عن الحبشة وعلاقتها بالإسلام في مقال خاص.(1)(1) يقظة السودان للدكتور إبراهيم العدوي، ص11، هـ1(1)(1) انظر خريطة السودان في القرن التاسع عشر.(2)(2)

د. عبد العظيم الديب

التضليل التاريخي و المعلوماتي !!

الكيد والتدبير لتشويه تاريخنا، يدخل في باب (التضليل المعلوماتي)، وإذا كان التضليل المعلوماتي قد أصبح علمًا له نظرياته، ومدارسه، وتطورت وسائله، وتنوعت مجالاته، ولا يستطيع أن ينكر ذلك عاقل، فليس معنى ذلك أن التضليل المعلوماتي لم يظهر إلا في هذا العصر، بل لقد كان موجودًا من قديم، ويمارس بطرقه ووسائله المتاحة حسب الزمان والمكان، وإن لم تكن قد صيغت نظرياته ومناهجه، وتحددت قواعده، وتمايزت مدارسه، شأنه في ذلك شأن جميع العلوم الإنسانية، تنشأ وتمارس، ويعيش بها الناس ما يشاء الله لهم أن يعيشوا، ثم ينشأ العلم بعد كعلم الخدمة الاجتماعية مثلاً.وآية ذلك – أعني استخدام التضليل المعلوماتي قديمًا – ما كتبه الفيلسوف الفرنسي المعاصر رجاء جارودي، قال: "في إحدى صفحات الكتاب الرائع لأناتول فرانس (فوق الحجر الأبيض) يوجه أحدُ المؤرخين سؤالاً إلى مدام نوزبير: ما أتعس يوم في تاريخ فرنسا؟ ولم تكن مدام نوزبير على علمٍ بهذا اليوم، وعندئذ قال لها المؤرخ: "إنه عام 732م، إنه العام الذي جرت فيه معركة بواتيه، التي هزم فيها المسلمون، ولم يستكملوا دخلوهم فرنسا، في هذا اليوم انهزمت الحضارة العربية أمام البربرية الفرنسية، ولولا هذا اليوم الأسود ما عاشت قرونًا متطاولة في ظلام العصور الوسطى حتى سطعت عليها شمس الحضارة"اهـ كلام أناتول فرانس في كتابه الرائع.ثم يكمل جارودي قائلاً: وهذا النص يثير في نفسي ذكرى لذيذة، إذ كنت في تونس سنة 1945م، وأثناء محاضرة لي عن ابن خلدون ذكرت أن النص من كتاب أناتول فرانس، وإذا بالجنرال الفرنسي – الذي كان وقتئذ مقيمًا عامًا في تونس – أي حاكمًا عامًا لها، إذا بهذا الحاكم العام يأمر بطردي من تونس بدعوى الترويج للدعاية ضد فرنسا.وكان لهذا الحدث دلالة ومغزى من وجهة النظر الاستعمارية؛ فإن مجرد تذكير المستعمَرين (بفتح الميم) بعظمة ماضيهم وثقافتهم، كان يعتبر إهانة للاستعمار، وخطرًا يهدده". انتهى كلام جارودي، وهو غني عن أي تعليق.وفي عهد الاستعمار في إحدى دول الشمال الإفريقي كان أستاذ الفيزياء الأجنبي يدرس نظريات الضوء، ويستشهد بكلام عالم قديم مبتكر اسمه (الهازان) ويذكر تاريخ ابتكاراته ونظرياته، فسأله أحد تلاميذه: من هو (الهازان) هذا؟ فكلفه الأستاذ بالبحث عنه، ووجهه إلى بعض الكتب الأجنبية في تاريخ العلم، واستطاع الطالب النجيب أن يصل إلى حقيقة (الهازان)، فإذا هو (الحسن بن الهيثم)، ولما عاد إلى أستاذه بهذه الحقيقة، لاحظ أن أستاذه الأجنبي لم يعد أبدًا يذكر اسم (الهازان)، وإذا اضطر إلى الحديث عن نظرياته، يشير إليها من غير أن يذكر اسم صاحبها.فكيف يذكر هؤلاء بأمجادهم ؟ وكيف يضخ في عروقهم دماء الاعتزاز بأسلافهم ؟!!صك الانتداب:ولكي تتأكد أن هذا التضليل التاريخي أمر مقصود، اعلم أن صك الانتداب الذي كلفت به عصبة الأمم إنجلترا بحكم فلسطين وإدارتها، كان صك الانتداب هذا ينص في مادته (رقم 21) على أن تضع الدولة المنتدبة، وتنفذ في السنة الأولى من هذا الانتداب قانونًا خاصًا بالتنقيب عن الآثار والعاديات يتضمن ....إلخ" أي أن من عمل الدولة المنتدبة بعث تاريخ ما قبل الإسلام، والاحتفاظ بآثاره، والعناية بعادياته.وكذلك كان شأن الفرنسيين في سوريا ولبنان، فقد كان أول ما اهتم به الفرنسيون أن ألفوا في خلال الحرب الكونية الأولى لجانًا في دمشق وبيروت لكتابة تاريخ بلاد الشام، فكتبوا منه بعض تاريخ لبنان، أما تاريخ سوريا فقد كلف الآباء اليسوعيون ثلاثة من رهبانهم 1920م بكتابة هذا التاريخ، بعد أن قسموه إلى ثلاثة عصور، العصر الآرامي والفينيقي، والعصر اليوناني والروماني، والعصر العربي.ومن هذا الباب إعلان الثري الأمريكي (روكفلر) سنة 1926م عن تبرعه بمبلغ عشرة ملايين دولار أمريكي لإنشاء متحف للآثار الفرعونية في مصر، على أن يلحق به معهد لتخريج المتخصصين في هذا الفن، واشترط لإتمام هذا التبرع أن يكون المتحف والمعهد تحت إشراف لجنة من ثمانية أعضاء ليس فيها من المصريين إلا اثنان فقط، وأن يستمر هذا الإشراف لمدة ثلاث وثلاثين سنة، ولما رفضت مصر شرط الإشراف هذا، قبض يده وامتنع عن التبرع.وفي مدينة (بلتيمور) بأمريكا عقد مؤتمر في سنة 1943م للمبشرين، كان من ضمن قرارات هذا المؤتمر المضاعفة للجهود المبذولة في توجيه الدراسات للتاريخ الإسلامي، نحو إعلاء شأن ثورة الزنج، والقرامطة، والباطنية، وتصويرها على أنها حركات تقدمية تمثل العدل الاجتماعي، في وجه الخلافة الإسلامية الفاسدة التي يظاهرها علماء سوء فاسدون مفسدون.وأدنى إلى الكرام القارئين وأقرب هذه الضجة الكبرى التي تقيمها الدولة العظمى التي بلغ من قوتها أنها تحكم العالم، هذه الدولة بهيلها وهيلمانها تتحرك لوقف مسلسل تلفزيوني تاريخي، وترعد وتبرق، وترغي وتزبد، من أجل مسلسل (الشتات)، ومن قبل من أجل مسلسل (فارس بلا جواد)!!إنه التاريخ…..*******

د. عبد العظيم الديب

راية الإسلام

ليس ما نتناوله في هذه الكلمات – التي نطرحها على أبناء أمتنا – فكرًا تبريريًا، يحاول أن يبرر تخلفنا وهواننا، ويبحث عن المشجب الذي يعلق عليه أخطاءنا ويرد إليه أسباب ضعفنا، ويحمله وحده تبعة ما نحن فيه.وليس أيضًا تفسيرًا (تآمريًا) للتاريخ، يفسر الأحداث على أنها من صنع أيدٍ خفية تمسك بالخيوط تحرك بها الأحداث، وكأنها الأحجار على رقعة الشطرنج.ليس هذا ولا هذا أريد.

د. عبد العظيم الديب

التقارب السني-الشيعي…

إن أمتنا الإسلامية تتعرض الآن لحملة شرسة لم تتعرض لمثلها من قبل، فقد تجمع وتأشَّب الأعداء حولها من كل حدب وصوب، فباسم (محاربة الإرهاب) جمَّعوا كل أمم الأرض لمحاربة الخطر الأخضر، خطر الإسلام، تحقيقا لقول كبيرهم: "انتهزوا الفرصة".  والحرب الآن –كما ترى- حرب خبيثة ماكرة، تتنوع أساليبها، وتتعدد ميادينها، بين حرب نفسية، وحرب فكرية، وحرب ثقافية، وغزو اجتماعي، وسياسي، واقتصادي، وعسكري.. وانظر وتأمل –على سبيل المثال لا الحصر- المغرب والبوليساريو، والجزائر والأمازيغ، والسودان ودارفور، والجنوب، والشرق، ومصر والتلويح بلجنة حماية الأديان، وانظر إلى العراق، وأفغانستان، وإلى باكستان، وإلى إندونيسيا.  نحن أمام عدو ماكر خبيث، يتغلغل في كل المسارب والدروب، ليحقق ما عجز عنه طوال صراعه مع الإسلام، الصراع الذي بدأ منذ مؤتة وتبوك، ولم ينسه حتى اليوم.  لقد غيرت البابوية العقيدة، وبرأت اليهود من دم المسيح، وتناسى الكاثوليك البروتستانت المعارك بينهم، وما سمي حرب الإرهاب الأبيض، حيث كانت القتلى بينهم بمئات الآلاف، بل إنك لتعجب كيف تناست فرنسا ما صنعه الجنود الألمان بعاصمتها الجميلة باريس، يوم اجتاحوها 1941م وعبثوا بها وبأهلها، واغتصبوا نساءها (قد يكون بعض من اغتصبن من الفتيات أحياء إلى اليوم).  نسي القوم كل هذا، ونرى أقرب الدول إلى فرنسا هي ألمانيا، وهما معا تقودان الاتحاد الأوروبي، وهما عماده. هذا هو عدونا يتجمع ويتحد –على ما بينه من عوامل تفتت الصخر- فلننظر كيف نحن!!  كان لابد من هذه المقدمة قبل الدخول في الموضوع، بل هي جزء أساسي في الموضوع.   إن الإمام القرضاوي تنظر إليه الدنيا كلها على أنه رمز للأمة الإسلامية، وهو كذلك فعلا، فلم يكن في يوم من الأيام طائفيا، ولا متطرفا، بل هو رمز الوسطية وصاحبها.  هو الذي حيَّا حزب الله، وأشاد بجهاده، وأثنى على نضاله، قال ذلك بصوت عال صريح، وكان لهذا التأييد والثناء من الأثر ما لا يخفى إلا على الجاحدين.  وهو الذي تحدث أكثر من مرة على حق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية، واستنكر محاولة منعها من هذا الحق، كان يقول ذلك، ويصرح به بلا أدنى ملابسة.     كما أدان فرض العقوبات الدولية من اقتصادية وغيرها على إيران، ودعا إلى عدم المشاركة فيها. وهو الذي نادى في أكثر من مناسبة بأنه ضد أي عدوان أمريكي على إيران، وضد كل من يساعد في ذلك. ثم من قبل كل ذلك هو الذي كان يقود محاولات التقريب ويدعو إليها، وما كتبه وما قاله مذكور مشهور غير منكور.  والبيان الذي أصدره أخيرا كان هادئا متوازنا، يدعو إلى المحافظة على الوحدة ويحرم الاختراق، ويحذر من آثار ذلك، وقد نبه إليه من قبل في لقاءاته مع علماء الشيعة وأئمتهم، فأيدوه وشكروه.  "لقد سمعت من حجة الإسلام محمد علي التسخيري –وهو يتكلم في شأن الوئام بين الشيعة والسنة- قوله: "المهم كف السفهاء من الجانبين".  والآن نسأله: ماذا تقول لمحرر وكالة الأنباء الإيرانية؟ كنا نتوقع منه أن يتذكر كلامه هذا، وأن يصف هذا المحرر بما يستحقه صراحة، وأن يقول ذلك بصوت عال، بدلا من أن يطالب الإمام القرضاوي بالعودة إلى الاعتدال.  أما السيد حسين فضل الله، فأنا أعجب له كيف سقط هذه السقطة؟ وكيف خانته حصافته؟ وكيف غاب عنه جهاد العلامة القرضاوي في الميادين والمجالات الذي اتهمه بالتقاعس عنها والهروب منها، وأنا لا أشك لحظة أنه الآن آسف ونادم على سقطته هذه.  إن الإمام القرضاوي قال كلاما محددا واضحا، وكان على من يعقب عليه أن يلتزم أدب الحوار، وقواعد المناظرة، فكان يكفيهم أن يقولوا: إننا لا نعلم شيئا عن هذا المد الشيعي في مصر، ولا ندري من يقوم به، أو نحو ذلك، يعني يبقى الكلام في هذا الموضع، لا يتعداه، فهو موضع النزاع كما كان يعبر أئمتنا قديما رحمهم الله.  أما هذا التجاوز، والتطاول، فأترك لهم أن يصفوه هم بأنفسهم، وأن يسموه باسمه، ولن نسميه نحن، فنحن دعاة وحدة ومصالحة، ولسنا دعاة فتنة وإثارة.    والآن ماذا بعد؟ لابد من تدارك الأمر، فإن مسلسل الرد، والرد على الرد، والتعليق من هنا وهناك سيجر إلى ما لا نرضاه، وسيدفع إلى ما نخشاه، فكل عاقل مؤمن بالله، ويخشى على هذه الأمة، يعلم أن وحدة أهل القبلة هي السبيل إلى نجاتها مما يراد بها.   ولذا نضع بعض الحقائق والضوابط عسى أن تكون أساسا لكبح ما انفرط:  1- إن الشيعة – مثل كل الطوائف والجماعات- ليسوا كتلة واحدة، ففيهم العقلاء الذين يؤلفون الكتب، ويدبجون المقالات، ويكتبون البحوث في تصحيح الشطحات، ورفض التجاوزات، وفيهم من يدرك خطورة تمزيق وحدة الأمة.  منذ عقود وأنا أقول: لا يعنيني كثيرا ما يسمى (بالتقريب بين السنة والشيعة) بل لا يعنيني أصلا، وإنما الأهم عندي هو البحث عن أسس التعايش الذي يتطور ويتحول إلى تعاون.  وكنت –وما زلت- أقول: يقوم الاتفاق على هذه الأسس الثلاثة:  أولا: الكف عن سب الصحابة، فهذا يؤذي أهل السنة أشد الأذى. ثم هو ليس من مذهب الإمامية، فقد مضى أئمة آل البيت رضوان الله عليهم إلى ربهم، ولم يؤثر عن أحد منهم أنه سب أحدا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.  وأريد اليوم القول: لابد أن تكف هذه الفضائيات عن بث ما يثير المشاعر ويكدر الخواطر، ويدعو إلى الفتنة، من ذلك (الفولكلور) الذي برع مقدموه في استنفار صور وأحداث من التاريخ عمرها نحو ألف وأربعمائة سنة، وهي إما مخترعة مزيفة لا أصل لها، وإما مقطوعة عن سياقها وسباقها، ومضخمة بصورة دراماتيكية، أو مفسرة تفسيرا مصبوغا وملونا برؤية مقدمها، وكل ذلك –في الواقع- ليس فيه تعبد، ولا تقرب إلى الله ورسوله، ولكنها الإثارة فقط لا غير.    2- أن يحسن الشيعة معاملة أهل السنة بينهم، وأن يعطوهم حقوق المواطنة كاملة، وأن يحسن أهل السنة –بالمثل- معاملة الشيعة بينهم، ويعطوهم كامل حقوقهم.  3- أن يكف الشيعة عن نشر التشيع بين أهل السنة، وأن يكف أهل السنة عن الدعوة بين الشيعة، ولا يقتصر ذلك على العالم العربي وحده، بل في إفريقيا، وآسيا، وبلاد الغرب، فحيث يوجد من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا يصح أن يتدخل في شأنه صاحب مذهب مخالف، والميدان فسيح أمام الجميع في الدعوة بين الوثنيين والملحدين. 4- يجب أن تتوقف فورا حرب البيانات والبيانات المضادة، فخطرها في إثارة المشاعر، وإشعال العواطف لا حدود له. 5- يجب أن ينفر من كل جانب طائفة من أهل الحل والعقد، وأن يتنادوا إلى اجتماع مغلق أولا لوضع خطة مدروسة ومحكمة لعقد اجتماع أوسع يضم مجموعة من العلماء والخبراء، بل المسئولين وأصحاب القرار، على أن يتكون برنامج هذا اللقاء من محورين:  الأول: تنقية الأجواء، وتصفية هذا الذي كان.  الثاني: البحث في الأسس الثابتة المتينة للتعايش والتعاون.  وأعتقد أن القضايا الثلاث التي ذكرناها من قبل تصلح أساسا متينا لهذا التعايش، وتصلح مدخلا لهذا الحوار الذي يدور حول كيفية التفصيل والتنفيذ.  (وتذكروا أننا نلهث وراء الحوار المسيحي، فليكن هذا أولا)   وأرجو أن تتم هذه الاجتماعات والندوات بعيدا عن الضجيج الإعلامي، حتى لا تغلب عليها المظهرية والدعائية، وإنما يتم ذلك في هدوء وصفاء، وتذكروا ما يحيط بالأمة، واستجيبوا لقوله جل وعلا: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103].  

د. عبد العظيم الديب

التاريخ الإسلامي … المفترى عليه !!!

لم يتعرض تاريخ أمة للتشويه و التحريف ومثلما تعرض التاريخ الإسلامي, و لم يكن ذلك على يد المستشرقين و المتغربين فقط, بل أسهم في ذلك أدعياء التاريخ و أصحاب الأغراض الخاصة و هواة الروايات و الحكايات غير الموثقة التي تخدم المذهبيات.  و لما كان التاريخ الإسلامي يمثل ذاكرة الأمة و حاضرها و مستقبلها, فإن تحريره يحتاج إلى منهج واع و رصين و معايير موضوعية نزيهة, إذ لا ينبغي أن تتقاذف كتابة التاريخ الآراء و الأهواء الشخصية, و التجارب الذاتية, و الدوافع التي تفتقد إلى التجرد و الحياد.  في هذا الإطار جاءت الندوة المغلقة التي عقدت في القاهرة عام 2000للبحث مسألة منهج النظر في التاريخ الإسلامي, موضحة المخاطر و التحديات التي تواجه كتابة التاريخ الإسلامي و كيفية مواجهتها و أردت أن أكتب لكم ما جاء في تلك الندوة التي في نظري هامة جد هامة………           مغالطات و انحرافات  استهل د. عبد العظيم الديب- أستاذ و رئيس قسم و الأصول بكلية الشريعة جامعة قطر- حديثه بالتأكيد على أن المستشرقين تحاملوا على الإسلام, و اتجهوا إلى كتب التراث باعتبارها الخرائط و الصور التي تصوغ عقولنا و عواطفنا و مشاعرنا و اتجاهاتنا و اهتمامنا, و حبنا و بغضنا, فهي المفاتيح التي عرفوا بها كيف يخططون لتدميرنا ثقافياً و اجتماعياً و اهتمامناً, و جاءت معظم أعمالهم في مجال التاريخ بمعناه العام التاريخ السياسي و الحضاري و الاجتماعي, و تاريخ الفرق و المذاهب و الرجال و الطبقات و الرجال و معاجم البلدان, و تركز اهتمام المستشرقين على تاريخ الفرق و الصراع بينها, و كانت لهم عناية خاصة بتاريخ الزندقة و الزنادقة و القفز من وراء العصر الإسلامي إلى التاريخ القديم لإثارة النعرات الإقليمية, و تمزيق وحدة الأمة الإسلامية.   و تناول د. الديب قضية كتابة التاريخ, مشيراً إلى أن المعلومات حينما تكون مغلوطة تؤثر تأثيراً خطيراً في التوجيه الفكري و النفسي, لأن الإنسان يتصرف بمشاعره و عواطفه أكثر مما يتصرف بعقله, فالتاريخ مجموعة معلومات و نسق فكري و ثقافي معين يتلقاه الإنسان و يسيطر عليه, و يربى عنده اتجاهاً ثم اهتماماً ثم عاطفة ثم يملك عليه قلبه, و من ثم يتصرف بهذه الطريقة, و هذا هو الفرق بين الفكر و الإيمان, فصاحب الفكر لديه مقدمات و قياسات تقول أنه صحيح, و لكنه ينتهي عند هذا الحد, و أما صاحب الإيمان فينتقل بعد ذلك إلى مرحلة أخرى , و هي التطبيق و التنفيذ, و لذلك نجد القرآن الكريم يقول (( فإنهم لا يكذبونك و لكن الظالمين بآيات الله يجحدون))[ الأنعام:33], فعقلاً هؤلاء مصدقون لا يؤمنوا, و لعل القرآن الكريم أشار في مواطن كثيرة إلى أن القلب هم مكان الفقه و الفهم و الفكر, فهذا يدل على أن القضية لابد من أن تنتقل من العقل إلى القلب, و لذلك فإن الاستعانة بمعلومات خاطئة في كتابة التاريخ يترتب عليها مشاعر و عواطف بائسة تجاه تاريخنا الإسلامي نستطيع أن نلمح هذا في أحاديث الدعاة, إذ أنهم لا يتجاوزون في استشهاداتهم عهد عمر بن الخطاب, و هذه كارثة لما تحمله من تصديق و أخذ بالكلام الذي يثار حول التاريخ من عدم وجود فترات مشرفة لدى المسلمين في طريق النهوض الحضاري عدا فترة عمر رضي الله عنه.  كما نجد أن معظم كتب التاريخ محشوة بمغالطات و انحرافات تردد عثمان بن عفان خان مال الأمة و أعطاه لبني أمية و أنه ولى أقاربه رقاب الناس, و انتشرت في عهده المحسوبية, و أن بني أمية قاتلوا من أجل السلطة, و أن يزيداً قتل الحسين, و انتشر الاستبداد في عهد بني أمية, و هارون الرشيد كان مترفاً و لديه جوارٍ كثيرات, و المماليك كانوا جهلة و الأتراك كانوا مستبدين, و للأسف بعض المسلمين يسلمون بهذه المعلومات المخرفة إذا اطلعوا عليها, و تبرز هنا خطورة الادعاء بأنه لا يوجد نموذج إسلامي لنظام دولة تقوم على الحكم الإسلامي!!  فلابد مع تجلية التشريع الإسلامي و تأكيد صلاحيته لكل زمان و مكان, و أن نثبت أن هذا التشريع قد نجح و طبق, و أن الأمة سارت بهذا التشريع نحو ألف عام و قادت به البشرية, و لذلك حينما نقول إن الإسلام يحكم على المسلمين, و المسلمون لا يحكمون على الإسلام, نكون أغفلنا بديهية قائدة و هي أن الأمة الإسلامية و الحضارة الإسلامية قامت و قادت الدنيا, و ارتادت البشرية كلها بالحب و العلم و الفكر و الفن و الإخاء و المودة و ذلك نحو ألف عام.   أسطر قليلة لها قيمة كبيرة   ينبغي أن نبحث عن هذا التاريخ-يستطرد د.الديب- و أن نطهره و ننقيه من الشوائب لأهميته, حيث إن الأمم الواعية عرفت كيف تهتم بالتاريخ, فمثلاً في عام 1984م نشرت الصحف أن الصين حشدت جنودها على حدود اليابان بسبب أن اليابان أرادت أن تغير بضعة أسطر في تاريخها, و هذا الخبر منشور في كتاب " التربية عند اليابان".  و ذلك أنه في عام 1945م عندما انهزمت اليابان, أحضر ماك آرثر- قائد القوات الأمريكية- عدداً من خبراء التربية(حوالي 17 خبيراً) وضعوا مناهج تاريخ الأمم, و هي معلومات التي تؤثر في العواطف و المشاعر و تكوين الاتجاهات لدى المجتمع, و كتبوا في منهاج التاريخ أن الجيش الياباني كان معتدياً على الصين, فأرادت اليابان إعادة صياغة الكتابة فإذا بالصين تنذر و تحشد الجيوش لتظل هذه الأسطر موجودة!!!!   و في هذه الواقعة يظهر لنا حرص الصين و معرفتها بمصادر القوة الحقيقية للأمم و المتمثلة في القوة الفكرية لا في الجيوش و الأسلحة.   و أمامنا مثال آخر للمغالطات التاريخية التي نعيشها, حيث أن جمهورية مصر العربية كانت تحتفل بالحملة الفرنسية – و من المعروف عند تاريخ المصريين أنه يقول أن نابليون جاء بأول مطبعة و عمل بمصر أول خريطة- و هذا الكلام ليس صحيح البتة, و يدخل في جزئية تاريخية, حيث إن المطبعة كانت معروفة في الشرق قبل نابليون بأكثر من مائة عام, و لا أدري ما السر الذي يجعلهم لا يذكرون المطابع العربية التي كانت موجودة قبل نابليون حيث كانت هناك ثلاث مطابع في الشام, و في اسطنبول العاصمة, و التي كان يزورها كبار الشخصيات المصرية, و كذلك كان لهذه المطابع فرمان بنظم عملها..  و في التاريخ المصري العديد من المغالطات التاريخية و ذلك يرجع للطبيعة الاستعمارية, و التي شوهت تاريخنا فهناك كرومر الذي سألوه عندما دخل مصر عن حجم الأموال و السلاح الذي يحتاجه لتثبيت أقدامه في مصر فقال أريد خبراء تربية, و جاء فعلاً دانلوب- القسيس- الذي كانت له بصمات واضحة في تاريخنا, و رومين دبرال - شخصية لم تدرس في التاريخ- و الذي قال" يستحيل الانتصار على المسلمين بالسلاح, لأن الانتصار عليهم لن يكون إلا بالمنصِّرين, و سنبغي أن نستبدل الكلمة بالسلاح و الجند" و أسس مدرسة فكرية تقوم على التنصير و الروح الصليبية مما كان له تأثير واضح في بلاد أرض الكنانة (مصر الإسلامية)  

د. عبد العظيم الديب

ألقـــوا هـــذا

وفي حديث أنس - رضي الله تعالى عنه – أنه قال: "إذا كان يوم القيامة، جاءت الملائكة بصحف مختمة، فيقول الله عز وجل: ألقوا هذا، واقبلوا هذا. فتقول الملائكة: وعزتك ما كتبنا إلا ما كان. فيقول الله عز وجل: إن هذا كان لغيري، ولا أقبل اليوم إلا ما كان لي". يا ويلنا !! إن الناقد بصير (سبحانه وتعالى)!! الملائكة تكتب، الحفظة تسجل، الصحف تمتلئ، ولكن !! من لنا إلا نفاجأ يوم الفزع الأكبر، بالهول الأعظم: "ألقوا هذا" . إن الملائكة خلقٌ من خلق الله، مثلما نحن خلقٌ من خلقه سبحانه، هم حفظة، وهم أمنة، يكتبون ما كان. أما "لم كان" فأمره إلى الله وحده يعلم ما في الصدور وما توسوس به الأنفس. وقد ورد "إن الملائكة يرفعون عمل العبد، فيكثّرونه ويزكونه، فيوحي الله تعالى إليهم: أنتم حفظةٌ على عمل عبدي، وأنا رقيب على ما في نفسه، إن عبدي لم يخلص في  عمله، فاجعلوه في سجّين (كتابٌ جامع لأعمال الفجرة من الثقلين). وإن الملائكة ليصعدون بعمل العبد يستقلّونه (أي يرونه قليلاً)، فيوحي: إنكم حفظة على عمل عبدي، وأنا رقيبٌ على ما في نفسه، فضاعفوه، واجعلوه في عليين. هذه هي المقاييس!! وهذه هي الموازين!! هذا على كثرته في سجّين، وهذا على ضالته وقلّته في عليين، {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ}[الأعراف:8]. يستطيع من يستطيع أن يخادع الناس، فيرفع رايات الحق، ويحمل لواء الإصلاح، ويلبس مسموح الهداة، وشارات الأئمة، ويتخذ سمت الدعاة، ويتشدق بكلام المصلحين، بل قد يذهب إلى أبعد من هذه المظاهر، والطقوس، فيعمل من الخير والبر، ومن التعبد والتنسك، ما ينال به حسن الذكر، وطيب الأحدوثة. ولكن هيهات هيهات !! كل ذلك يكون في "سجّين" والعياذ بالله.. ومن هنا ورد في الحديث أول ثلاثة تُسعّر بهم النار يوم القيامة:  قارئ.  وشهيد.  ومتصدق. نعم قارئ !! أيْ قارئ للقرآن عالم به معلّم إياه، فيقول: يا رب قرأتُ القرآ وفقهته وعلمته!! فيقال له: نعم، ولكنك فعلت ليقال فلان قارئ، وقد قيل. ويؤمر به فيسحب على وجهه في النار!! ويؤتى بالشهيد .. نعم شهيد!! فيقول: يا رب قاتلت في سبيلك، وجاهدت حتى قُتلت!! فيقال له: نعم، ولكنك قاتلت ليقال جريء ويقال شهيد، وقد قيل، ويؤمر به فيسحب في النار على وجهه. ويؤتى بالمتصدق، نعم متصدق!! فيقول: يا رب أنفقت مالي في سبيل مرضاتك، أديت الزكوات المفروضة وتصدقت، وأعنت، وبذلت في سبيلك!! فيقال له: نعم، ولكنك تصدقت وأنفقت ليقال متصدق، وليقال منفق، وقد قيل، ويُؤمر به فيسحب على وجهه في نار جهنم!! هذه أفضل القربات: القرآن وعلمه، الجهاد والشهادة، البذل والصدقة، تردَّ على أصحابها – والعياذ بالله – ما لم تكن خالصة لله سبحانه ويؤاخذون بها. وصدق الله العظيم: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[البينة:5]، ولعظمة الإخلاص وعزته قال - صلى الله عليه وسلم – لمعاذ - رضي الله تعالى عنه - : "أخلص دينك يكفيك العمل القليل". وكان الصالحون من سلفنا الكرام يقولون: "طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا وجه الله تعالى". ونحن اليوم تتوزعنا هذه الحياة بمنازعها، مشاربها، وتتفرق بها السبل وتتشعب، وتثور بها الأهواء، وتتجاذبها الأغراض، وسبحان من ينجي. فلينظر المرء في نفسه، إذا قال، وإذا أشار، وإذا خطا، وإذا جلس، وإذا قرأ، وإذا كتب، وإذا ... وإذا... فلينظر المرء في عمق قلبه، وليعلم أنه سبحانه وتعالى مطلعٌ على خفيات الضمائر، ومكنونات النفوس، ولنتذكر أنه سبحانه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا لوجهه، وأنه جل وعلا أغنى الشريكين عن الشرك. سبحانك ربي لا ملجأ منكم إلا إليك.. وعذرًا قارئ الكريم: إذا قطعت ما كنت بسبيله من حديث، لأذكّر نفسي – قبل أن أذكر غيري – بهذا الذي قلته اليوم، وأسأل الله لي ولك السلامة من الزلل، والخطل، إنه سميع مجيب. 

د. عبد العظيم الديب

يجب أن يغير خطابه الديني ؟


بعض بني جلدتنا صاروا يقرِّعوننا صباح مساء بمسافة التخلف بيننا وبين الغرب، ويفزِّعوننا من الفجوة الحضارية التي لم يعد هناك أمل في تداركها، وأدْمنوا اللجاجة والإلحاح بهذا الكلام حتى انتقل إلى الإسلاميين، وصرت تسمع كثيرًا منهم ينحي باللائمة على أمتنا ويعيِّرها بما تعانيه، وصار الحديث بهذا الأسلوب والعزف على هذا الوتر عنوان (موضوعية) المتحدث، وعلاقة (وعيه بالواقع)، وآية (تجرِّده وإنصافه) وصار هذا كله موجبًا بأننا أمة بطبيعتها (متخلفة)، فإذا حاولنا أن نذكرهم بأننا أمة بانية بطبيعتها، أمة ناهضة بفطرتها، أمة قائدة بدينها، أمة رائدة برسالتها، أمة صنعت للعالم أول حضارة متكاملة، حضارة لم تر الدنيا مثلها، لا قبلها ولا بعدها.
إذا حاولنا أن نقول ذلك لم نجد من يسمع لنا، بل منهم من ينفرون منك نفار الأوابد، قائلين: لا تصدّعوا رءوسنا بالماضي، ولكن حدثونا بالواقع ، وآخرون يذهبون أبعد من ذلك فيذكرون لك من مآسي وفظائع التاريخ الإسلامي ما تقشعر لهوله الأبدان، حتى يصير ما تحكيه من حضارة وإنجازات مغمورًا في بحر هذه المآسي والظلمات التي شنْشنوا لك بها.
مع أن لدى الآخرين، وفي تاريخهم، بل في واقعهم الآن من الفظائع والشنائع ما لو وقع قطرة منه في بحر تاريخنا لنجسته.
· فأمتنا لم تتاجر في الأفيون، ولم تشعل حرب الأفيون لتفتح الأسواق أمام تجارة الأفيون وترغم الناس على تعاطيه بالحديد والنار.
· وأمتنا لم تفرِّغ قارة بأكملها من سكانها كي تأخذ أرضها ومزارعها، أمتنا لم تقتل الهنود الحمر بأخس الوسائل وأحقرها وأبشعها: بنشر الأمراض القاتلة والأوبئة الفتاكة بينهم عن طريق الملابس والأغطية الملوَّثة بالجراثيم!!
· أمتنا لم تخطف الأفارقة الأحرار من مدنهم وقراهم لتتخذهم عبيدًا يفلحون لهم الأرض التي فرَّغوها بإبادة أهلها (وعامة مثقفينا يقولون: إن أوروبا هي التي حررت الرقيق).
· أمتنا لم تحرق المحاصيل من الحبوب والفواكه حتى تحافظ على أسعارها.
· أمتنا لم تقتل الأبقار - الزائدة عن الحاجة - تخلصًا من بحيرة الحليب وجبل الزبد الزائد عن حاجتهم!!! (كان ذلك في سنة 1984م وهو عام المجاعة والجفاف في إفريقيا، وقد تناقلت وكالات الأنباء ذلك بدون أي حياء أو خجل).
· وأما عن السماحة والتسامح، وحقوق الإنسان، والتعايش مع الآخر، على آخر هذه (المسكوكات) التي ملئوا بها أفواه مثقفينا، فيكفي أن نضع أمام القارئ الكريم هذه الوثيقة وهي عبارة عن مجموعة القوانين التي فُرضت على المسلمين الذين كانوا في هذه البلاد الأوروبية قبل دخول العثمانيين إليها، اقرأ هذه القوانين وتأمل، واعرف البون الشاسع بيننا وبينهم.
الوثيقة:
1- جاء في مرسوم أصدره الملك أندريا الثاني بتاريخ 20/8/1233م: "يحرم على المسلمين جميعًا تولي أية وظيفة من وظائف الدولة".
2- وبلغت الاستهانة بالمسلمين ذروتها حين صدر مرسوم في عهد كارل الأول سنة 1341م جاء فيه: "على جميع الرعايا الذين لم يعتنقوا المسيحية بعد، إما أن يُعمَّدوا وفقًا لتعاليم المسيحية، أو يغادروا البلاد".
وتصور المأساة في بعض مراحلها، مجموعةُ القوانين الهنغارية التي تحمل النصوص التالية:
- "المادة 46" كل من رأى مسلمًا يصوم، أو يأكل على غير الطريقة المسيحية، أو يمتنع عن أكل لحمن الخنزير، أو يغتسل قبل الصلاة، أو يؤدي شعائر دينه، وأبلغ السلطات بذلك، يُعطى له جزء من أملاك هذا المسلم مكافأة له.
- "المادة 47" على كل قرية مسلمة أن تشيِّد كنيسة، وأن تؤدي لها الضرائب المقررة، وبعد الانتهاء من تشييد الكنيسة يجب أن يرحل نصف مسلمي القرية، وبذلك يعيش النصف الآخر معنا كشركاء في العقيدة، على أن يؤدوا الصلاة في كنيسة يسوع المسيح الرب بطريقة لا تترك شبهة في اعتقادهم.
- "المادة 48" لا يسمح للمسلم أن يزوج ابنته رجلاً من عشيرته، وإنما يتحتم عليه أن يزوجها رجلاً من الجماعة المسيحية.
- "المادة 49" إذا زار شخصٌ ما مسلمًا، أو إذا دعا مسلم شخصًا لزيارته؛ يجب أن يأكل الضيف والمضيف معًا لحم الخنزير".
[النص اللاتيني لهذه القوانين يوجد في مجموعة القوانين المجرية - المراسيم العامة المتضمنة العهد المجري - ا نظر القانون الدستوري تأليف ستيفانو دي فريس. بودي ص135، 148، 157، نقلاً عن الدكتور إسماعيل باليتش: الإسلام في المجر في القرون الوسطى].
انظر وتأمل، كذلك فعلوا بنا، ثم دخل العثمانيون هذه الديار بعدُ، فكانت السماحة والعدل. وبلغة العصر، أو بالرطانة التي علمونا إياها نقول: من الذي لا يحسن التعايش مع الآخر؟
ونسأل أيضًا: مَنِ الذي عليه أن يغير ثقافته، ثقافة الكراهية ؟ مَنِ الذي يجب أن يغير خطابه الديني ؟

د. عبد العظيم الديب

تطور الهجوم على اللغة الفصحى

ساق لنا الباحث في الحلقة الماضية عدة أمثلة عن استمساك البلدان التي نهضت حديثًا – بلغاتها، ومنها الكتابة الصينية التي تعتبر شبه بدائية، ومع ذلك اعتزت بها الصين باعتبارها رمزًا لهويتها، وكذلك اليابان التي نلقت العوم الحديثة بلغتها – رغم صعوبتها – دون أن يرتفع صوت فيها ينادي بأن تكون الإنجليزية – أو الفرنسية – لغة للتدريس في الجامعات لأنها لغة الحضارة الحديثة.

د. عبد العظيم الديب

من قضايا الثقافة الإسلامية

في بدايات الهجوم على اللغة الفصحى التي تزعمها المستشرق الألماني "ولهلم سبيتا" بالدعوة إلى اتخاذ العامية لغة للأدب وللعلوم مع وضع قواعد لها .. الأمر الذي انقسم معه الكتَّاب ما بين مؤيد ومعارض.. ومن المؤيدين لهذه الدعوة كان "أمين شميل" الذي تخرج في مدارس الأرساليات، وتنبأ في حماس بموت اللغة الفصحى، ثم مضى يسخر منها.

د. عبد العظيم الديب

أصول الأفكار وجذورها

تابعت في إحدى الصحف اليومية معركة حول خطأ صلاح الدين الأيوبي في موقفه من إعدام (السُّهْرَوَردي) كان ذلك بين كاتب أديب وقاضٍ فاضل. ولستُ لتلخيص القضية، أو عرضها وإبداء الرأي فيها الآن.وإنما الذي راعني هو أن يقع هجوم على صلاح الدين الأيوبي (الآن) في هذه الأيام بالذات، فقد جزعت أشد الجزع، وفزعت كل الفزع وأنا أرى هذا العنوان يتصدر موضوعات العدد الأسبوعي للصحيفة (إعدام حكيم الإشراق وإحراق مؤلفاته كان أبشع ما اقترفته يدا صلاح الدين الأيوبي).

د. عبد العظيم الديب

إلى عابد الشيخ وإلى كل الشهداء

بالرغم مما هو كائن، وبالرغم مما هو محيطٌ بنا من همّ، بل امتهان وهوان، في بورما، في البوسنة والهرسك، في ألبانيا، في سيلان ... بل في عمق ديار الإسلام، بالرغم من كل ذلك فمن حقنا أن نرفع رأسنا لحظةً، وأن نرنو إلى (كابول) مهللين مكبرين، حامدين شاكرين، من حقنا أن نستعذب طعم النصر الذي طالما حُرمناه، وأن نستروح أريج مجدٍ نسيناه، سائلين الله سبحانه أن يتم نعمته بجمع الكلمة، ووحدة الصف، وأن ينجح إخوتنا هناك في معركة السلم، كما نجحوا في معركة الجهاد، والفداء، والاستشهاد. ومن حق شهدائنا المليون أن نذكرهم اليوم، ونحن نرفع راية النصر، فالواقع أنها ما أورقت وارتفعت إلا بالدماء الطاهرة التي روّتها. رحم الله شهدائنا. رحم الله عابد الشيخ.. ذلك الشهيد الذي كتب إلينا في آخر رسالة له في الميدان قبل أن يستشهد بأيام، قائلاً بالحرف الواحد: "... الساحة تبشر بالخير، ولن يحس بآثار هذه البشارة إلا من يخرج نفسه من دائرة الماديات، ويدرك بيقين أن الله عز وجل وحده هو المتصرف بأمر هذا الكون، فينفذ أمر الله، ويتبع قوانينه وشرعه، وإن وقف العالم كله بوجهه يريد أن يثنيه عن ذلك ...". هذه من كلمات الشهيد في آخر رسالة، وحقًّا لقد قال وصدق، قال وفعل، في عصرٍ كثر فيه القائلون وقلَّ العاملون. نعم لقد خرج (عابد) من دائرة الماديات، على قوة جاذبيتها، كان شابًا في عنفوان الشباب، طموحًا منفتحًا للحياة، صاحب مواهب خارقة، تؤهله لتحقيق كل ما يصبو إليه، ذا قدرات تفتح له مغاليق الأبواب، كان بحق كفاءة نادرة، بل جملة كفاءات. كان نادرة في الذكاء والقدرات الدراسية، كان نادرًا في خلقه وصفاته، أحبه كل من عرفه من كبير وصغير، كان الشباب ينجذبون إليه ويلتفون حوله في جدهم ولهوهم، وحينما كان في عملٍ كان النجاح وكان التوفيق. لانت له الدنيا ففتحت أمامه الآفاق، الدراسات العليا (ماجستير – دكتوراه)، نال الوظيفة، ووفق للزوجة، ورزق الولد، فتحت له الحياة ذراعيها تستقبله، آملة واعدة باسمه. ولكن (أبا مصعب) لم ينخدع كما انخدعت أمةٌ بأسرها، فانخلع من دنيانا بقوة لا يملكها إلا بهبة من الله. خرج أبو مصعب من دائرة الماديات فانتصر على جاذبية الطين، وشعر بحق أن كل ما فوق التراب تراب. اتجه إلى الله صادقًا مخلصًا يطلب الشهادة، فهيأها له، وهبه إياها. كان مما قال في رسالته الأخيرة ذاتها: " ... إن حرقة القلب والروح تزداد يومًا بعد يوم، وأصبحتُ على يقين بأن المسلم لن يجد الراحة، ولا الاستقرار، إلا حينما يتغمده الله برحمته، ويدخل الجنة...". هنيئًا لك أبا مصعب !! كان هذا أملك، وعلم الله منك صدق النية، فاستجاب لك، فاهنأ بها شهادة صادقة، تحيا بها في علِّين {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}{آل عمران:169} {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}{البقرة:154} . أما نحن الذين قعدنا من ورائكم أيها المجاهدون، أيها الشهداء، فعسى الله أن يغفر لنا عجزنا وقعودنا، ويتقبل منا دعاءنا واستغفارنا وعذرنا، إنه غفور رحيم..  عبد العظيم محمود الديب واحد من القاعدين. 

د. عبد العظيم الديب

إريتريا .. المأساة والتاريخ

تمهيد لابد منه:عجيب أن يظل حصار الصمت أربعة عشر عامًا كاملة.. نعم أربعة عشر عامًا من المعاناة الصامدة، وجاء الصمت الكثيف يلف الثورة الإريترية، فلم نسمع من محنة إريتريا وثورتها بوضوح إلا بعد أربعة عشر عامًا من بدئها.إريتريا المأساة والتاريخ:أربعة عشر عامًا وثلاثة ملايين مسلم يعانون التجويع والتنكيل والتشريد والإبادة بصورة تعيد إلى الأذهان محاكم التفتيش وويلاتها.وليست هذه هي المأساة، فإريتريا ليست بدعًا في ذلك، ففي كثير من أنحاء العالم يقاسي المسلمون ما يقاسيه أهل إريتريا، نعم ليست المأساة فيما يعانيه مسلموا إريتريا، فهذا قدر المسلمين، وتلك حالهم من يوم أن اصطلحت عليهم كل المذاهب، وتعاونت عليهم كل الفلسفات، حرب في كل مكان، وصراع في كل مجال، لعل أيسره مجال النار والدم، ولكن المأساة بالمحنة التي يتعرض لها إخوتنا في إريتريا والمأساة أن تظل أربعة عشر عامًا ولا تعرف، والذين يعرفون لا يقولون لأنهم إذا قالوا لا يُصدَّقون، المأسأة الحقة هي في جهل المسلمين بحقيقة ما يراد بهم أو جهل بعضهم بما يراد للبعض الآخر، واسأل معي: كم من المسلمين يحيطون بأبعاد قضية كشمير، أو شرق باكستان، أو مسلمي الهند، أو مسلمو الاتحاد السوفيتي أو المسلمين بالصين، أو بقضية قبرص أو ألبانيا أو الظبين أو مسلمي الحبشة بعامة ثم مسلمي إريتريا.نعم المأساة في هذا الجهل الصامت، أو قل في هذه المجاملة التي أصبح المسلمون يتفنون فنونها، ويروضون أنفسهم عليها عجزًا وخوفًا، فمن أجل مجاملة الامبراطور العجوز هيلاسي ضرب الحجر اللعين على أخبار الثورة الإريترية، نعم من أجل (أسد يهودا) سليل الأسر السليمانية، قام حاجز الصمت الكئيب حول المحنة الإريترية، ولولا أن سقط القناع عن وجه الإمبراطور لما أتيح لنا أن نعرف شيئًا من أخبار إريتريا.وقد لا يغن التعليق على المأساة كثيرًا، فلندع مأساة الصمت أو مأساة التجهيل، ولنتكلم عن مأساة إريتريا، ولنحاول أن نحيط بأبعادها التاريخية وأهدافها الاستراتيجية.وربما كان من المناسب ونحن نتحدث عن إريتريا أن نلم سريعًا بكلمة عن الحبشة صانعة المأساة.الحبشة:ولو سألت أي مثقف أو أي متعلم: ماذا تعرف عن الحبشة؟ لكان جواب معظمهم هي أقدم الدول المسيحية في إفريقيا وأعرقها، وهي جامعة المسيحية في إفريقيا، وهي أقدم الدول المستقلة في إفريقيا، وهي راعية منظمة الوحدة الإفريقية، وصاحبة فكرتها. هذا ما يعرفه عامة المثقفين والمتعلمين عن الحبشة، ولكن أين الحقيقة؟لا نعرف مثلاً أن الحبشة أخضعت مدة ممالك إسلامية وضمتها إلى أملاكها بالقوة، وأن نسبة المسلمين فيها تصل إلى نحو 75%، وأن الحبشة ضالعة مع كل القوى الاستعمارية العالمية والمحلية، وأن علاقتها بمنظمة الوحدة الإفريقية كانت محاولة من الإمبراطور لاحتواء المنظمة وفرض سيطرته عليها(1).إريتريـــــــــا:كلمة إريتريا نسبة إلى بحر (إريتريا)، وهي التسمية اليونانية للبحر الأحمر، وكلمة (أرتوس) باليونانية معناها الأحمر. وتمثل إريتريا شكلاً مثلثًا تقريبًا مساحته 125000كم مربع، ضلعه شاطئ البحر الأحمر بطول 1000كم، ورأسه السودان الفرنسي، وقاعدته الحدود السودانية الإريترية عند اتصاله بمديرية كسلا، وضلعه الآخر الحدود الإريترية الأثيوبية، فإريتريا في الواقع تمثل شريطًا على ساحل البحر الأحمر بطول ألف كيلومتر تبدأ من باب المندب جنوبًا.ومن أهم مدن إريتريا ميناء (مصوع) – ومعناه مكان النداء – وقد اشتقت هذه التسمية من فعل (صوع) بلغة النيجري – أي نادى – وذلك لأن الواقف على الشاطئ يمكن أن ينادي الواقف في الجزين الموازية.وعاصمتها (أسمرا) وجوها جميل معتدل، جاف، يميل إلى البرودة طوال السنة نظرًا لارتفاعها عن سطح البحر، ومبانيها منسقة وجميلة ومعنى اسمها: الغابة المزهرة، لنضرتها وكثرة زهورها.عصب: أما عصب فمن المواني الهامة، وترجع أهميتها إلى قربها من عدن والجزيرة العربية.أما مدينة كبرين فقد كانت حصنًا مصريًا قديمًا ترتفع فوق سطح البحر 1400 متر.ثروة إريتريا: إريتريا بلد غني من الناحية الزراعية، تزرع الحمضيات والفواكه بأنواعها، وكذلك القمح والشعير، والقطن والسمسم، والفول السوداني، وشتى أنواع الحبوب، بالإضافة إلى غاباتها المنتشرة التي يستفاد من أخشابها، وكذلك نباتات ألياف الجبال.أما الثروة الحيوانية فإريتريا غنية بها خاصة الإبل والبقر والماعز والضأن، كما تمتلك ثروة سمكية ومستخرجات البحري الأخرى.أما المعادن فيوجد بإريتريا الحديد والذهب والرصاص والنيكل، والملح المعدني، والاسبستوس، وأما النحاس فقد تولت استخراجه وتصديره شركة يابانية أثيوبية، وبدأت تصديره فعلاً.أما البترول فقد تم اكتشافه أخيرًا، وهناك شواهد بترولية كثيرة تبشر بالخير في هذا المجال.وإريتريا إقليم من الأقاليم الإسلامية التي كانت منبثة في شرق إفريقيا، وقد دخلها الإسلام من عصر الخلفاء عن طريق الدعوة والموعظة الحسنة، رغم ما تعرض له الدعاة من القتل والتعذيب، ورغم محاولة الأحباش الانقضاض على سواحل الجزيرة العربية، مما اضطر الأمويين في سنة 83ه إلى وضع أيديهم على جزائر (دهلك) في مواجهة شواطئ إريتريا حماية للمسلمين بها وبالساحل الشرقي الإفريقي، وتأمينًا للدعاة، ولما استتب الأمن تتابع دخول الإفريقيين في دين الله، وحيث حل الإسلام كان الإخلاء وكانت المحبة، فتزاوج مسلمو ساحل البحر الأحمر مع مسلمي الجزيرة، وصارت اللغة العربية هي لغة إريتريا، واستمرت مرتبطة بالدولة الإسلامية منذ سنة 83ه – أي أكثر من 1300 سنة.جاء في كتاب المنريزي (الإلمام بمن في الحبشة من ملوك الإسلام): إن منطقة (ياضع) – مصنوع حاليًا – كانت نابعة لولاية الحجاز، وظلت هكذا تتبع والي الحجاز حتى تمزقت الدولة العباسية على يد الشعوبيين ثم التتار.وهبت على هذا الساحل الإفريقي المسلم رياح الأحداث، وتكونت مملكة (الفرنج) الإسلامية التي اتخذت (سنار) عاصمة لها، وضمت معظم إقليم النيل الأزرق، ومناطق ساحل البحر الأحمر من (سواكن، فصوع، فعصب، فتاجورة، فيجبوتي، فبريرة)، فراس صافون) وتم لها ذلك في سنة 1504م، أي في مطلع القرن السادس عشر(1).ومرت سنون أصاب مملكة النونج ما يصيب الدول من الشيخوخة والضعف، فتوزعتها الأطماع، وكان الغرب المستعمر قد بدأ يتجه نحو إفريقية منذ أواخر القرن الثامن عشر عندما زار الرحالون مناطق السودان، وعندما تأسست الجمعية الإفريقية في لندن سنة 1788م. وبدأت انجلترا وفرنسا وإيطاليا تتحفز لالتهاب هذا الموقع الاستراتيجي الخطير. وشاء القدر أن يقدم محمد علي باسم الدولة العلية دولة الخلاف العثمانية لحماية هذه المناطق المسلمة من مواضع الاستعمار التي بدأت تعمل في أوصال القارت الأربعة تقطيعًا وتمزيقًا.وكانت حلقات مريرة من الصراع بين (مصر) ممثلة للدولة العلية وبين الدول الاستعمارية التي لجأت إلى الإيقاع بين دولة الخلافة ومصر كي ينقل إدارة هذه الأجزاء من مصر إلى والي جدة حتى يسهل على الاستعماريين التهامها بالاتفاقيات أو الشراء أو التأجير، كما كان شائعًا في ذلك الوقت، ولكن مصر وقفت لهم بالمرصاد صامدة، ونجحت في إقناع الخليفة العثماني بالتنازل نهائيًا عن إدارة هذه المناطق وضمها إلى مصر، وبهذا صارت هذه المناطق جزءًا من السودان الذي تولت مصر إدارة نيابة من الخلافة العثمانية.وفي سنة 1877م اضطرت انجلترا إلى عقد معاهدة مع مصر وضحت حدود السودان، وبمقتضى هذه المعاهدة وضعت خرائط رسمية معترف بها دوليًّا، وتبين أن (مصوع ومصب وجيبوتي وزيلع وهرر وبربرة ورأس صافون) كلها من السودان، أي من أملاك الدولة العثمانية(1).ومع ذلك لم ييئس الاستعمار واستمرت مؤامراته، فتقدمت انجلترا لرأس القارة ومدخلها (إلى مصر) ومارست دسائسها حتى أوقعتها في الديون، وبالتالي الاضطراب، ثم الثورة العرابية، ثم الاحتلال.وعندما تراخت قبضة مصر عن جنوبها وعن السودان بدأت الدول الاستعمارية تتوثب لتحقيق أطماعها القديمة في ساحل إفريقية الشرقي، فاحتلت إيطاليا (بيلول) في شمال خليج مصب، وقامت بالاستيلاء على المنطقة الساحلية قرب (مصوع) ومدت سيطرتها على باقي الأجزاء التي سموها فيما بعد باسم (إريتريا)، ووقَّع إمبراطور الحبشة معاهدة مع إيطاليا يقر ملكيتها لإريتريا، وأثناء ثورة المهدي بالسودان أرادت انجلترا أن تدعم علاقتها مع الحبشة على حساب السودان، فسمحت (لمنلبك) والي الحبشة بالاستيلاء على (هرر) وانتزاعها من الأملاك السودانية، ونجح هذا الملك في خطته وقتل ملك هذه المدينة المسلم سنة 1887م، ثم أرسل برقية إلى القائد الإنجليزي في عدن يفتخر فيها بقتل الأمير عبد الله حاكم (هرر)(2).وهكذا تم بتر هذا الجزء الساحلي من السودان، أي من أملاك الدولة العلية، دولة الخلافة، وتوزعته الحبشة وإيطاليا بالتآمر مع انجلترا.ومنذ مطلع القرن العشرين أخذت دولة الخلافة في الضعف والتدهور، وأخذ الاستعمار يلتهمها إقليمًا وراء إقليم: الجزائر وتونس وليبيا وسوريا لفرنسا، ومصر والسودان والعراق وفلسطين والأردن لانجلترا، وليبيا والصومال وإريتريا لإيطاليا، وشغل كل إقليم بنفسه وبمأساته.وفي أثناء الحرب العالمية الثانية سنة 1941م احتلت انجلترا (إريتريا) باسم قوات الحلفاء ضد دول المحور، وخضعت إريتريا للإدارة البريطانية التي دامت إحدى عشرة سنة ونصف سنة، إلى أن صدر قرار الأمم المتحدة في 2 ديسمبر سنة 1950م بفرض الاتحاد الفيدرالي بين إريتريا وبين أثيوبيا، وأصبح هذا القرار نافذًا من 15 سبتمبر 1952م، فأصبحت إريتريا دولة مستقلة تحت لواء التاج الأثيوبي.دور أمريكا في قرار الأمم المتحدة:بدأت خيوط المؤامرة الأمريكية الأثيوبية بخطوة غزل ذكي من جانب أثيوبيا، حيث قدم الإمبراطور هيلاسي رشوة صغيرة، فقد أهدى للسفارة الأمريكية قطعة أرض بجوار القصر الإمبراطوري في أثيوبيا، وقال: إنها عرفان مساعدة أمريكا والرئيس روزفلت لأثيوبيا في سبيل الحرية (كذا) في تلك الفترة كانت إريتريا تحت الإدارة البريطانية – كما قدمنا – بتكليف من المكتب الخارجي للمناطق الإفريقية.كانت إريتريا في ذلك الوقت مطمعًا لكل من فرنسا التي تريد توسيع مستعمرتها في الصومال الفرنسي، ولإنجلترا التي تريد ضمها إلى السودان الإنجليزي آنذاك مع ترك جزء للحبشة، وكانت أمريكا تحكم أيضًا أن يكون لها مكان في المنطقة وهي التي لم يكن دخلت ميدان الاستعمار بعد.وأما أثيوبيا فقد كانت تشعر بأنها أضعف الطامعين في إريتريا وأكثرهم شراهة في نفس الوقت، فتنتق ذهن الإمبراطور العجوز عن حيلة خبيثة تعوضه عن ضعفه، إذ ربط أثيوبيا بعجلة أمريكا، وعرض على أمريكا مشروعًا مؤداه أن يكون الملك والسيطرة على إريتريا لأثيوبيا، والانتفاع لأمريكا أو لهما معًا.ولما لم يكن لأمريكا مجرد شبهة أو وجهة نظر تتعلل لها لدخول إريتريا وجدت أن في خبث الإمبراطور وتدبيره ما يحقق لها ما تتمنى، فأخذت وجهة نظر الحبشة، وتبنت رأيها.وجاء إلى الحبشة أفويل هاريمان مبعوثًا من الخارجية الأمريكية سنة 1942م، وبحث ما يمكن أن تقدمه الحبشة إلى أمريكا إذا تم لها الاستيلاء على إريتريا، حتى يطمئن أولاً على ثمن الصفقة، وعلى الفور وافقت الحبشة على منح تسهيلات عسكرية في (أسمرا) لإنشاء مركز اتصالات واستخبارات.وفي مؤتمر الصلح سنة 1947م تقرر تشكيل لجان للبحث في شأن المستعمرات الإيطالية ومن بينها إريتريا، وبدأت اللجنة الأمريكية السوفيتية الإنجليزية الفرنسية زيارتها لإريتريا، وبالرغم من أنها شاهدت تلهف الشعب على الاستقلال والتقت بالزعماء الذين حملوا مطالب شعب إريتريا في التحرر والاستقلال التام، إلا أنها لم تتفق على رأي.وتنفيذًا لاتفاقية الصلح أحيل الموضوع إلى الأمم المتحدة في 15/9/1948م، وبدأت المناورات والمؤامرات في أروقة الأمم المتحدة، وتوالت لجان الدراسة والوفود والزيارات، ولما كانت النية مبيتة فقد عموا وصموا عما رأوا وسمعوا، وقدمت أمريكا مشروعها الذي قضي بإنشاء (اتحاد فدرالي) بين إريتريا وأثيوبيا للشعب الإريتري فيه أقصى درجة من الحكم الذاتي، ويشارك الإريتريون في حكومة اتحاد مشتركة (وهذا المشروع – كما أشرنا – يمكن للولايات المتحدة أن تؤمِّن مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة دون حاجة إلى احتلال مباشر).وكانت المواد التي تشير إلى استقلال إريتريا الذاتي والمشاركة في حكم اتحادي ...إلخ، مجرد بنود شكلية اتفق الطرفان: أمريكا وأثيوبيا على وضعها في النصف، حتى يخطر المشروع بموافقة الأمم المتحدة، ثم تتكفل حكومة أثيوبيا بإلغائها تدريجيًا وتنزع من إريتريا أية صبغة استقلالية كما حدث بالفعل.وانظر هنا نتائج وآثار التواطؤ الأمريكي الأثيوبي:في 2/12/1950م أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتحاد الفدرالي بقرارها رقم 390 بأغلبية 46 صوتًا ومعارضة كل قوى السلم والحرية.في 7/9/1951م (أي بعد أقل من مضي سنة) وقّع الجانبان الأثيوبي والأمريكي معاهدة لمنح أمريكا تسهيلات تجارية وعسكرية وبحرية في الأرض الإريترية، وذلك قبل إنشاء الحكومة الإريترية التي نصَّ قرار الأمم المتحدة على تشكيلها.في 22/5/1953م قام الإمبراطور هيلاسي بزيارة شكر للولايات المتحدة، وفي هذه الزيارة وقّع الطرفان الأثيوبي والأمريكي على اتفاقية خاصة تتمكن أمريكا بمقتضاها من أن تقيم في (أسمرا) - عاصمة إريتريا – أضخم قاعدة عسكرية للاستخبارات في إفريقية ومنطقة الشرق الأوسط، وهذا طبعًا بالإضافة إلى الامتيازات والتسهيلات العسكرية للجيوش الأمريكية التي ليس لها مثيل إلا في الأراضي المستعمرة.قرار الأمم المتحدة وموقف أثيوبيا منه:من أعجب العجب أن تصدر الأمم المتحدة قرارها هذا بالاتحاد الفدرالي من غير حق، ولا مجرد شبهة في حق، فليس هناك أي رابطة بين أثيوبيا وإريتريا من أي لون أو نوع من الروابط، بل هو كما قدمنا ثمرة تواطؤ أثيوبي أمريكي.ومن العجيب الأعجب أن يأتي في ديباجة القرار: (إن الهدف الرئيسي من إصداره هو إعطاء أثيوبيا بحر إلى البحر) هكذا... تعترف الأمم المتحدة بأن هدف القرار وضع شعب بأكمله وأرضه تحت سيطرة دولة أخرى، كي تجد لها منفذًا على البحر.سيظل هذا القرار شاهدًا على طور من أطوار المنظمة الدولية كانت فيه واقعة تحت تأثير القوى الاستعمارية الكبرى. وإذا جاز هذا المنطق فلتعد كل دولة ذات نفوذ ما تحتاجه من أراضي الدول الأخرى.إن قرار الأمم المتحدة رقم (290/أ) الخاص بالاتحاد الفدرالي بين إريتريا وأثيوبيا ينص على أن إريتريا تتمتع بحكم ذاتي على أساس المبادئ الديمقراطية، وما يتبع ذلك من وجود دستور وبرلمان وحكومة منتخبة، لضمان حقوق الإنسان والحوريات الأساسية، كما أن للإريتريين حق الاشتراك في حكومة الاتحاد على أسس ومعايير تضمن القرار تحديدًا لها، إذ ينص القرار على أن يكون للحكومة الإريترية سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية في حقل الشئون الداخلية (المادة الثانية)، وعلى أن يتكون (المجلس الإمبراطوري الاتحادي) من عددين متساويين من الممثلين الأثيوبيين والإريتريين، ويشترك مواطنو إريتريا في الجانبين التنفيذي والقضائي لحكومة الاتحاد، ويمثلون الجانب التشريعي وفقًا لأحكام القانون وبنسبة عدد سكان إريتريا إلى عدد سكان الاتحاد (المادة الخامسة).وحتى هذا القرار الحائر وهذا الاتحاد الفدرالي الظالم لم يكف أثيوبيا، فأخذت طريقها إلى مسح قرار الأمم المتحدة وطمس معالم إريتريا تمامًا، وضمها إلى أثيوبيا، وبدأت خطواتها في ذلك الطريق مبكرًا في 15/9/1952م:تعرضت إريتريا لنظام ضرائبي جائر يهدف إلى خنق الحياة الاقتصادية وتحطيم الاقتصاد الإريتري.وأجبرت كبريات المؤسسات الاقتصادية على الانتقال إلى أديس أبابا، واضطرت القوى العاملة إلى الهجرة إلى السودان والسعودية.وحظرت نشاط الأحزاب السياسية.وحلت اتحاد العمال.وملأت السجون بالمعتقلين.وصادرت جميع الصحف المحلية.وألغت تدريس اللغات التجريبية والعربية في إريتريا، متجاهلة نص المادة الثامنة من الدستور الإريتري، تلك المادة التي وضعها خبراء الأمم المتحدة نزولاً على رغبة الجماهير الإريتريا، وخضوعًا لإصرارها.وفي 14/9/1958م أمر الإمبراطور بإنزال العلم الإريتري باعتباره رمزًا من رموز السيادة والشخصية الوطنية في إريتريا.واستمر الحكم الأثيوبي يلغي بالتدريج كل مظاهر الكيان الإريتري، ويفرض سيطرته على المؤسسات الدستورية، واستمر يتحدى مشاعر الشعب الإريتري وعقيدته.ففي أغطسس سنة 1960م صدر قرار بإلغاء المحاكم الشرعية، ليحاكم المسلمون أمام المحاكم الحبشية حتى في الشئون والأحوال الشخصية.كما صدر قرار بتعديل أحكام الميراث الشرعية وتغيير الأنصبة، كما نصَّ عليها الدين.كما صدر قرار بتغيير قوانين الأحوال الشخصية، فأعطيت المرأة حق خلافة زوجها، ومنع تعدد الزوجات، وحكم باقتسام أملاك الزوج والزوجة مناصفة في حالة الطلاق.وأخيرًا في 14/11/1962م أعلن الإمبراطور إلغاؤه لقرار الأمم المتحدة بإرادته المنفردة، وأعلن اعتبار إريتريا مقاطعة من مقاطعات أثيوبيا، فألغى الدستور كلية، وحل البرلمان، وجاء من أثيوبيا حاكم عسكري عام ليحل محل رئيس السلطة التنفيذية المنتخب، وتحول القضاء الإريتري إلى جهاز من أجهزة القمع الأثيوبية..كفاح الشعب الإريتري:وأمام هذا التواطؤ الأثيوبي الأمريكي الذي سخر بالأمم المتحدة لإصدارها قرارها، وإزاء هذا الاستبداد الذي لم يكفه قرار الأمم المتحدة الجائر وفعل به ما فعل، إزاء هذا كيف كان موقف شعب إريتريا؟؟لم يستكن الشعب الإريتري ولم يغفل عما يدير له، فقد بدأ يستعد ويتحفز ضد الحكم الإيطالي، فقامت الجمعيات الشعبية ثم تحولت إلى أحزاب سياسية عقب الحرب العالمية الثانية، ثم تابعت مناقشة القضية أمام الأمم المتحدة، وقد تكونت الكتلة الاستقلالية ردًّا على مشروع التقسيم الذي قدم إلى الأمم المتحدة من وزير خارجية بريطانيا وإيطاليا، ثم على مشروع الاتحاد الفيدرالي.وأخيرًا أعلنت الثورة المسلحة بعد ما فشلت جميع المحاولات السياسية والسلمية، فانطلقت شرارة الثورة الإريترية في اليوم الأول من سبتمبر سنة 1961م، وظلت الثورة تناضل وتجاهد في ظل أقسى الظروف وأبشعها، فقد استخدم الإمبراطور وسائل القمع والإرهاب لا تجوز في شرعة ولا قانون.ولقد شاءت الظروف أن أعيش عامين قريبًا من الحدود السودانية الإريترية، وسمعتُ بأذني من شهود عيان أن أجهزة القمع الأثيوبية كانت تدخل القرية الإريترية بعد إطلاق النار على أهلها فتسقط منهم من يسقط ويفر من يفر، ويؤسر من يؤسر، ثم تحرق القرية بعد استباحتها للجنود الأثيوبيين، ثم يقتل الأسرى، ويمثل بالجثث، فتقطع إربًا إربًا، ثم توضع في عربات النقل لترمى على قرى المنطقة لكل بيت عضو، إرهابًا وتحديًا وإنذارًا لكل من تحدثه نفسه بأن ينضم إلى الثورة بأنه سيلقى مثل هذا المصير.ومع ذلك صمد الشعب الثائر، وحققت ثورته نتائج، فثلج صدر كل الأحرار والأطهار.حررت الثورة ثلثي الريف الإريتري.دارت المعارك المسلحة في قلب المدن الإريترية أسمرا وعصب.استولى الثوار على كثير من معدات الجيش الأثيوبي الذي كانت وحداته تفر أمامهم كالخراف.وصل الكفاح إلى داخل أثيوبيا، فقد تعاطف مع الثوار جماهير من أجزاء أثيوبيا ومن جموع الطلاب والعمال وغيرها.فضحت الثورة التواطؤ الأثيوبي الاستعماري بعامة، والأثيوبي الأمريكي بخاصة.يبلغ من شمول الثورة وانتشارها أن اعترف بها الخصوم والأعداء الطبيعيون. قال تشارلز جلاس مراسل شيفاجو ديلي نيوز: إنه لمس بنفسه حماسًا بين الشعب الإريتري لقواتهن وان ما تواجهه أثيوبيا هناك هو ثورة شعبية (الأهرام 13/3/1970م).وما زالت هذه الثورة التحررية تجابه قوى عظمى شرقية شيوعية تقف وراء أثيوبيا وتدعمها واستعمارية غربية تضيء للشيوعية النور الأخضر لتتقدم لسحق الثورة الإريترية الإسلامية.أليست الثورة الإريترية ثورة إسلامية، وعندما يتعلق الأمر بالإسلام فإن الشيوعية والرأسمالية تتعاونان وتنسيان ما بينهما تمامًا، فإن الإسلام في نظرها – وهذا حق – العدو الأخطر للشيوعية الملحدة وللرأسمالية الاستعمارية الحاقدة في نفس الوقت.إسرائيل في إريتريا:لقد جمع أثيوبيا وأمريكا هدف واحد ثم جمع إسرائيل نفس الهدف، فقد رأى الإمبراطور الداهية أن لإسرائيل مصالح في البحر الأحمر، وأنها يهمها إخضاع هذا الساحل الذي يمتد نحو 1000 كم لأثيوبيا، وإلا فسيصير البحر الأحمر عربيًا تمامًا، وأن على إسرائيل أن تشارك في إخضاع إريتريا، وأن تؤدي دورها في هذه المهمة، ورحبت إسرائيل محققة بذلك عدة أهداف:من الناحية الإستراتيجية العسكرية تؤمن مسافة طويلة من شاطئ البحر الأحمر، أو قل تكسر حلقة من حلقات الحصار العربي في البحر الأحمر.ومن الناحية الاقتصادية – وهذا جانب هام جدًّا – عملت إسرائيل على نهب ثروات إريتريا وشرق السودان، حيث أن قبائل (الهدتدرة) و(بني عامر) و(الأمراء) قبائل سودانية إريتريا تعيش بين إريتريا وشرق السودان، وكل ما في أيدي هذه القبائل ينساب إلى نهر التجارة الأثيوبية الإسرائيلية.جاء في نشرة خاصة أصدرتها الحكومة الأثيوبية واسمها (الزراعة والصناعة والتجارة) في الحبشة الصادرة في يونيو 1957م: بدأت شركة (أنكودي الإسرائيلية) الضخمة أعمالها في أثيوبيا سنة 1955م، وهي أكبر شركة لتعبئة اللحوم في الإمبراطورية الأثيوبية، فلها من الآلات الميكانيكية ما يمكنها من إنتاج 250,000 علبة يوميًا من اللحم السعبأ بالإضافة إلى 300 طن من اللحم المثلج، و3500 من الجلود المدبوغة شهريًا، وللشركة مصانع لتحويل فضلات اللحوم والعظام والشحم إلى مواد أخرى نافعة.. وتنتج 100 طن سماد عضوي شهريًّا من هذه المخلفات، كما تنتج طنًّا ونصفًا من قطع اللحوم التي تزن الواحدة منها اثنين كيلوجرام للاستهلاك اليومي، وتعتبر مصانع شركة (أنكودي) من المصانع العالمية للحوم، ويذبح مصنع (أنكودي) في أسمرا – عاصمة إريتريا – يوميًا 360 بقرة يشتريها بأبخس الأثمان، ولها في أسمرا مصنع كبير لدباغة الجلود. وتصدر (أنكودي) إلى إسرائيل 5000 طن سنويًا من الأسماك المطحونة التي تستخدم لتسميد الأرض، ويزداد إنشاء الشركات الإسرائيلية في إريتريا، وقد أعطيت مناطق إريترية كمقاطعات لشركات إسرائيلية تستغلها كيف تشاء، ومن ذلك منطقة (عايلت) وهي تابعة لمديرية مصوع.ولا يقف التعاون الأثيوبي الإسرائيلي عند هذا الجانب، فقد عينت الحكومة الأثيوبية اليهودي الإسرائيلي (ناتان مادين) مستشارًا قانونيًا وهو أيضًا النائب العام المختص بوضع قوانين الدولة، وتستعين أثيوبيا بمدرسين من إسرائيل، وخبراء إسرائيل في التخطيط والزراعة والسدود تموج بهم أثيوبيا دائمًا.وفي مناقشات الكونجرس السرية ما يشهد بدور إسرائيل في محاولة جمع ثورة إريتريا، فقد جاء على لسان أحد الأعضاء ردًّا على (قولبرايت) حين سأل: إلى أي مدى شاركت أمريكا وإسرائيل في برنامج مقاومة التمرد؟ قال العضو ردًّا على هذا السؤال: كان ذلك مبادرة إسرائيلية، فالإسرائيليون يعلقون أهمية خاصة على علاقتهم بأثيوبيا حيث تمثل الدولة الصديقة الوحيدة على الجانب العربي من البحر الأحمر وعليه فالبرنامج اتخذ كبادرة إسرائيلية.عروبة إريتريا:إن عروبة إريتريا ليست محل نقاش أو نظر، ولسنا – العرب – الذين نقول بذلك، بل إن أهل إريتريا ينادون به ويفخرون، والواقع – قبل كل شيء – يقول بذلك، فنظرة إلى الخريطة نرى موقع إريتريا ينطق بعروبتها، فهي على ساحل البحر الأحمر بين الصومال العربي والسودان، وحين تقدموا بمذكرتهم إلى جامعة الدول العربية كانوا يعبرون أصدق تعبير بقولهم: "إن إريتريا هي فلسطين البحر الأحمر، وإن قوى الطغيان والشر تتربص بإريتريا لا من حيث كونها دولة تطالب باستقلالها، ولكن لأنها قبل كل شيء امتداد للوطن العربي وعمق استراتيجي ظهير لنضال العرب وصراعهم التاريخي.والآن: ما موقف القوى المحبة للسلام والمناصرة للعدل؟ وقبل ذلك: ما موقف الأمم المتحدة؟ ولماذا لا تتدخل؟ مع أن الفقرة (201) من التقرير النهائي لمندوب الأمم المتحدة تقول بالحرف الواحد: " إذا نقض القرار الفدرالي فإن القضية الإريترية يمكن أن تصبح عندئذ من اختصاص الجمعية العامة للأمم المتحدة).فلم لا تتدخل الأمم المتحدة الآن؟ إنقاذًا لهذه الملايين من الفتك والتنكيل.ومع كل ذلك وبعد كل ذلك: ألست معي أيها القارئ العزيز أن المأساة في حجمها الأكبر مأساة صمتنا الجاهل بما يجري لنا، أو جهلنا الصامت بما يراد لنا؟!

د. عبد العظيم الديب

بروتوكولات إسرائيل

‫"اإلسرائيلي"‬ ‫االختراق‬ ‫بروتوكوالت‬‫هويدي‬ ‫فهمي‬‫‪2004‬‬ ‫‪/‬‬ ‫‪6‬‬ ‫‪/‬‬ ‫‪1‬‬ ‫اإلماراتية‬ ‫الخليج‬ ‫صحيفة‬‫عملية‬ ‫في‬ ‫الغائب‬ ‫الحاضر‬ ‫كانت‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫الماضي‪:‬‬ ‫األسبوع‬ ‫أخبار‬ ‫نشرة‬ ‫من‬ ‫سقط‬ ‫مهم‬ ‫عنوان‬ ‫هذا‬‫لف‬ ‫م‬ ‫إلغالق‬ ‫الطريق‬ ‫تفتح‬ ‫التي‬ ‫السودان‪،‬‬ ‫تحرير‬ ‫وحركة‬ ‫الخرطوم‬ ‫حكومة‬ ‫بين‬ ‫البروتوكوالت‬ ‫آخر‬ ‫توقيع‬‫حين‬ ‫في‬ ‫مرحلياً‪،‬‬ ‫الحدث‬ ‫بذات‬ ‫نحتفي‬ ‫ألن‬ ‫يدعونا‬ ‫ما‬ ‫وهو‬ ‫عاماً‪.‬‬ ‫عشرين‬ ‫منذ‬ ‫الجنوب‬ ‫في‬ ‫المستعرة‬ ‫الحرب‬‫الحكاية‪.‬‬ ‫فإليك‬ ‫ولماذا؟‬ ‫كيف؟‬ ‫أما‬ ‫استراتيجياً‪.‬‬ ‫مآالته‬ ‫تزعجنا‬‫)‬ ‫‪1‬‬ ‫(‬‫وحيدة‬ ‫الخرطوم‬ ‫حكومة‬ ‫وخاضتها‬ ‫العباد‪،‬‬ ‫وأنهكت‬ ‫البالد‬ ‫خربت‬ ‫التي‬ ‫الحرب‬ ‫بإنهاء‬ ‫واجب‬ ‫احتفاؤنا‬‫أنه‬ ‫إال‬ ‫الجنوب‪.‬‬ ‫في‬ ‫االنفصالي‬ ‫الطرف‬ ‫وراء‬ ‫اإلنس‬ ‫أبالسة‬ ‫احتشد‬ ‫حين‬ ‫في‬ ‫الوقت‪،‬‬ ‫طول‬ ‫الظهر‪.‬‬ ‫ومكشوفة‬‫هللا‪،‬‬ ‫لوجه‬ ‫الجنوبيين‬ ‫يساندوا‬ ‫لم‬ ‫األبالسة‬ ‫أولئك‬ ‫أن‬ ‫نكتشف‬ ‫سوف‬ ‫الفكرة‪،‬‬ ‫وتجيء‬ ‫السكرة‬ ‫تذهب‬ ‫حين‬‫إن‬ ‫قائل‬ ‫يقول‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫وقبل‬ ‫مقدمتها‪.‬‬ ‫في‬ ‫مصر‬ ‫بخناق‬ ‫اإلمساك‬ ‫يعد‬ ‫التي‬ ‫والبعيدة‪،‬‬ ‫المتعددة‬ ‫مراميهم‬ ‫لهم‬ ‫وإنما‬‫والثانية‬ ‫بها‪،‬‬ ‫مقطوع‬ ‫المؤامرة‬ ‫أن‬ ‫أوالهما‬ ‫اثنتين‪،‬‬ ‫بكلمتين‬ ‫أرد‬ ‫فإنني‬ ‫المؤامرة‪،‬‬ ‫منطق‬ ‫يستعيد‬ ‫الكالم‬ ‫هذا‬‫الشمس‬ ‫وجود‬ ‫ينكر‬ ‫كمن‬ ‫سيكون‬ ‫فإنه‬ ‫ذلك‪،‬‬ ‫بعد‬ ‫ينكرها‬ ‫أن‬ ‫أراد‬ ‫ومن‬ ‫بوجودها‪.‬‬ ‫"إسرائيلياً"‬ ‫ً‬ ‫اعترافا‬ ‫ثمة‬ ‫أن‬‫بصره‬ ‫أصاب‬ ‫مما‬ ‫نفسه‬ ‫يعالج‬ ‫أن‬ ‫وعليه‬ ‫عندنا‪.‬‬ ‫يس‬ ‫ول‬ ‫عنده‬ ‫ستكون‬ ‫المشكلة‬ ‫إن‬ ‫بحيث‬ ‫األرض‪،‬‬ ‫دوران‬ ‫أو‬‫‪.‬‬ ‫عقله‬ ‫أو‬‫"مركز‬ ‫عن‬ ‫الماضي‬ ‫العام‬ ‫في‬ ‫صدر‬ ‫صفحة‬ ‫مائة‬ ‫من‬ ‫كتاب‬ ‫في‬ ‫وارد‬ ‫أعنيه‬ ‫الذي‬ ‫"اإلسرائيلي"‬ ‫االعتراف‬‫وحركة‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫هو‪:‬‬ ‫الكتاب‬ ‫عنوان‬ ‫أبيب‪.‬‬ ‫تل‬ ‫لجامعة‬ ‫التابع‬ ‫"‪،‬‬ ‫وإفريقيا‬ ‫األوسط‬ ‫الشرق‬ ‫ألبحاث‬ ‫ديان‬‫تبين‬ ‫متقاعد)‬ ‫(عميد‬ ‫سابق‬ ‫ضابط‬ ‫فهو‬ ‫مؤلفه‬ ‫أما‬ ‫االنطالق‪.‬‬ ‫ومرحلة‬ ‫البداية‬ ‫قطة‬ ‫ن‬ ‫السودان‬ ‫جنوب‬ ‫تحرير‬‫فرجي‪.‬‬ ‫موشى‬ ‫اسمه‬ ‫(الموساد)‪،‬‬ ‫"اإلسرائيلية"‬ ‫المخابرات‬ ‫في‬ ‫القرار‬ ‫بدوائر‬ ‫الصلة‬ ‫وثيق‬ ‫أنه‬ ‫معلوماته‬‫المخابرات‬ ‫به‬ ‫قامت‬ ‫الذي‬ ‫الكبير‬ ‫الدور‬ ‫بالتفصيل‬ ‫يشرح‬ ‫أنه‬ ‫أولهما‬ ‫أمرين‪،‬‬ ‫في‬ ‫تكمن‬ ‫الكتاب‬ ‫أهمية‬‫أو‬ ‫والمال‪.‬‬ ‫والخبراء‬ ‫بالسالح‬ ‫اإلمداد‬ ‫صعيد‬ ‫على‬ ‫سواء‬ ‫الجنوب‪،‬‬ ‫تحرير‬ ‫حركة‬ ‫مساندة‬ ‫في‬ ‫"اإلسرائيلية"‬‫أنه‬ ‫خطورة‬ ‫أو‬ ‫أهمية‬ ‫يقل‬ ‫ال‬ ‫الذي‬ ‫الثاني‬ ‫األمر‬ ‫لمصلحتها‪.‬‬ ‫والسياسي‬ ‫الدبلوماسي‬ ‫التأييد‬ ‫حشد‬ ‫صعيد‬ ‫على‬‫عام‪،‬‬ ‫بوجه‬ ‫العربي‬ ‫م‬ ‫العال‬ ‫إلضعاف‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫استراتيجية‬ ‫ً‬ ‫أيضا‬ ‫بالتفصيل‬ ‫الخصوص‬ ‫وجه‬ ‫على‬ ‫يشرح‬‫اتفاقية‬ ‫مصر‬ ‫توقيع‬ ‫بعد‬ ‫حتى‬ ‫استمرت‬ ‫الحثيثة‬ ‫الجهود‬ ‫تلك‬ ‫أن‬ ‫وكيف‬ ‫الخصوص‪.‬‬ ‫وجه‬ ‫على‬ ‫مصر‬ ‫وإضعاف‬‫م‪.‬‬ ‫‪1979‬‬ ‫عام‬ ‫في‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫مع‬ ‫السالم‬‫في‬ ‫"اإلسرائيلية"‬ ‫االستراتيجية‬ ‫"بروتوكوالت"‬ ‫تسجيل‬ ‫بمثابة‬ ‫مجمله‬ ‫في‬ ‫الكتاب‬ ‫إن‬ ‫قلت‬ ‫إذا‬ ‫أبالغ‬ ‫ال‬ ‫لعلي‬‫وممارساتها‬ ‫سياساتها‬ ‫على‬ ‫الضوء‬ ‫تسلط‬ ‫التي‬ ‫المثيرة‬ ‫المعلومات‬ ‫من‬ ‫هائالً‬ ‫ً‬ ‫كما‬ ‫يتضمن‬ ‫أنه‬ ‫ذلك‬ ‫المنطقة‪.‬‬‫أية‬ ‫تقوم‬ ‫أن‬ ‫ً‬ ‫متمنيا‬ ‫مختصراً‪،‬‬ ‫مضمونه‬ ‫بعرض‬ ‫لالكتفاء‬ ‫مضطر‬ ‫أنني‬ ‫أسف‬ ‫ومن‬ ‫وإفريقيا‪.‬‬ ‫العربي‬ ‫العالم‬ ‫في‬‫وينسج‬ ‫نا‬ ‫ل‬ ‫يدبر‬ ‫مما‬ ‫مهم‬ ‫جانب‬ ‫على‬ ‫الجميع‬ ‫أعين‬ ‫تنفتح‬ ‫لكي‬ ‫وتعميمه‪،‬‬ ‫الكتاب‬ ‫بطباعة‬ ‫عربية‬ ‫نشر‬ ‫جهة‬‫‪.‬‬ ‫مكترثين‬ ‫غير‬ ‫أو‬ ‫الهون‬ ‫ونحن‬ ‫حولنا‪،‬‬ ‫من‬‫)‬ ‫‪2‬‬ ‫(‬‫مع‬ ‫تعاملنا‬ ‫في‬ ‫الثغرة‬ ‫هذه‬ ‫عالج‬ ‫على‬ ‫العمل‬ ‫من‬ ‫بد‬ ‫وال‬ ‫محدودة‪،‬‬ ‫ومواردنا‬ ‫وإمكانياتنا‬ ‫صغير‪،‬‬ ‫شعب‬ ‫"نحن‬‫بين‬ ‫القائمة‬ ‫العالقات‬ ‫وخاصة‬ ‫لديها‪.‬‬ ‫الضعف‬ ‫نقاط‬ ‫وتشخيص‬ ‫معرفة‬ ‫خالل‬ ‫من‬ ‫العربية‪،‬‬ ‫الدول‬ ‫من‬ ‫أعدائنا‬‫إلى‬ ‫النهاية‬ ‫في‬ ‫لتتحول‬ ‫النقاط‪،‬‬ ‫هذه‬ ‫وتعظيم‬ ‫تفخيم‬ ‫في‬ ‫نسهم‬ ‫بحيث‬ ‫والطائفية‪،‬‬ ‫العرقية‬ ‫ت‬ ‫واألقليا‬ ‫الجماعات‬‫احتواؤها"‪.‬‬ ‫أو‬ ‫حلها‬ ‫يصعب‬ ‫معضالت‬‫من‬ ‫وغيرهم‬ ‫الجيش‬ ‫قيادات‬ ‫إلى‬ ‫ل"إسرائيل"‬ ‫وزراء‬ ‫رئيس‬ ‫أول‬ ‫جوريون‬ ‫بن‬ ‫ديفيد‬ ‫وجهه‬ ‫الكالم‬ ‫هذا‬‫إلى‬ ‫األوامر‬ ‫صدرت‬ ‫أعقابه‬ ‫وفي‬ ‫الخاصة‪.‬‬ ‫والمهمات‬ ‫االستخبارات‬ ‫وأجهزة‬ ‫األمنية‬ ‫المؤسسة‬ ‫عناصر‬‫وكان‬ ‫معها‪.‬‬ ‫العالقات‬ ‫وتوثيق‬ ‫المنطقة‪،‬‬ ‫في‬ ‫األقليات‬ ‫بزعامات‬ ‫االتصال‬ ‫تتولى‬ ‫بأن‬ ‫"اإلسرائيلية"‬ ‫األجهزة‬‫أن‬ ‫األول‬ ‫لسببين‪،‬‬ ‫األولى‬ ‫االتصال‬ ‫اختبارات‬ ‫في‬ ‫"اإلسرائيليون"‬ ‫بها‬ ‫اهتم‬ ‫التي‬ ‫الدول‬ ‫مقدمة‬ ‫في‬ ‫العراق‬‫المناطق‬ ‫في‬ ‫وخاصة‬ ‫اليهودية‪،‬‬ ‫السرية‬ ‫الحركة‬ ‫نشاط‬ ‫إبان‬ ‫ربعينات‪،‬‬ ‫األ‬ ‫منذ‬ ‫بالفعل‬ ‫ممتدة‬ ‫كانت‬ ‫ً‬ ‫جسورا‬ ‫هناك‬‫للعالم‬ ‫المجاورة‬ ‫الدول‬ ‫مع‬ ‫خاصة‬ ‫عالقات‬ ‫إقامة‬ ‫فكرة‬ ‫يخدم‬ ‫التوجه‬ ‫ذلك‬ ‫أن‬ ‫هو‬ ‫الثاني‬ ‫السبب‬ ‫الشمالية‪.‬‬‫انخرطت‬ ‫الثالث‬ ‫الدول‬ ‫أن‬ ‫(الحظ‬ ‫تركيا‬ ‫نحو‬ ‫مفتوح‬ ‫وطريق‬ ‫إيران‪،‬‬ ‫إلى‬ ‫باب‬ ‫العراق‬ ‫أن‬ ‫باعتبار‬ ‫العربي‪،‬‬‫)‪.‬‬ ‫األمريكية‬ ‫المتحدة‬ ‫الواليات‬ ‫ورعته‬ ‫الناصرية‪،‬‬ ‫مصر‬ ‫ضد‬ ‫وجه‬ ‫الذي‬ ‫بغداد‪،‬‬ ‫حلف‬ ‫باسم‬ ‫عرف‬ ‫ا‬ ‫فيم‬ ‫ً‬ ‫الحقا‬‫في‬ ‫الخبراء‬ ‫من‬ ‫العديد‬ ‫ضم‬ ‫عمل‬ ‫فريق‬ ‫الخمسينات‬ ‫مطلع‬ ‫في‬ ‫جوريون‬ ‫بن‬ ‫شكل‬ ‫السياسة‬ ‫هذه‬ ‫لتنفيذ‬‫التالية‪:‬‬ ‫الشخصيات‬ ‫ضم‬ ‫والسياسية‬ ‫االستراتيجية‬ ‫الشؤون‬‫العسكرية‪.‬‬ ‫القوة‬ ‫وبناء‬ ‫اتيجية‬ ‫االستر‬ ‫الشؤون‬ ‫خبير‬ ‫جاليلي"‪،‬‬ ‫"إسرائيل‬‫اإلسكان‪.‬‬ ‫ورئيس‬ ‫العسكرية‬ ‫الشؤون‬ ‫خبير‬ ‫باوين"‪:‬‬ ‫"ايجال‬‫أخص‪.‬‬ ‫بوجه‬ ‫منها‬ ‫والسورية‬ ‫والعربية‬ ‫السياسية‪،‬‬ ‫الشؤون‬ ‫خبير‬ ‫ساسون"‪:‬‬ ‫"موشيه‬‫وإيران‪.‬‬ ‫األكراد‬ ‫ً‬ ‫خصوصا‬ ‫األقليات‪،‬‬ ‫مع‬ ‫السرية‬ ‫العالقات‬ ‫خبير‬ ‫شيلوح"‪،‬‬ ‫"رؤبين‬‫‪.‬‬ ‫واالتصال‬ ‫السياسية‬ ‫الشؤون‬ ‫خبيرة‬ ‫مائير‪:‬‬ ‫جولدا‬‫هي‪:‬‬ ‫ركائز‬ ‫ثالث‬ ‫على‬ ‫تقوم‬ ‫استراتيجية‬ ‫وضع‬ ‫إلى‬ ‫اجتماعات‬ ‫عدة‬ ‫بعد‬ ‫توصل‬ ‫الفريق‬ ‫هذا‬‫دون‬ ‫والحيلولة‬ ‫"إسرائيل"‪،‬‬ ‫أمن‬ ‫حماية‬ ‫على‬ ‫قادرة‬ ‫ردع‬ ‫بقوة‬ ‫لالحتفاظ‬ ‫متفوقة‬ ‫عسكرية‬ ‫قوة‬ ‫بناء‬ ‫أوالً‪:‬‬ ‫*‬‫أن‬ ‫العرب‬ ‫بمقدور‬ ‫أن‬ ‫حين‬ ‫في‬ ‫"اإلسرائيلي"‪،‬‬ ‫الوجود‬ ‫تهدد‬ ‫واحدة‬ ‫هزيمة‬ ‫ألن‬ ‫بها‪،‬‬ ‫هزيمة‬ ‫أية‬ ‫إنزال‬‫هزيمة‪.‬‬ ‫من‬ ‫أكثر‬ ‫يتحملوا‬‫"شد‬ ‫لسياسة‬ ‫ً‬ ‫تطبيقا‬ ‫العربي‪،‬‬ ‫بالعالم‬ ‫المحيطة‬ ‫الدول‬ ‫أهم‬ ‫مع‬ ‫والتحالف‬ ‫التعاون‬ ‫عالقات‬ ‫توثيق‬ ‫ثانياً‪:‬‬ ‫*‬‫تركيا‬ ‫هي‬ ‫األنظار‬ ‫إليها‬ ‫توجهت‬ ‫التي‬ ‫والدول‬ ‫المحيط‪.‬‬ ‫بحلف‬ ‫عرف‬ ‫ما‬ ‫إقامة‬ ‫استهدفت‬ ‫التي‬ ‫األطراف"‪،‬‬‫جدار‬ ‫في‬ ‫الركين‬ ‫"الركن‬ ‫–‬ ‫المؤلف‬ ‫تعبير‬ ‫بحسب‬ ‫‪-‬‬ ‫اعتبر‬ ‫ما‬ ‫وهو‬ ‫ثالثاً‪.‬‬ ‫وإثيوبيا‬ ‫ثانياً‪،‬‬ ‫وإيران‬ ‫أوالً‪،‬‬‫عالقات‬ ‫إقامة‬ ‫في‬ ‫"اإلسرائيلية"‬ ‫الجهود‬ ‫نجحت‬ ‫الخمسينات‬ ‫منتصف‬ ‫في‬ ‫اإلسرائيلية"‪.‬‬ ‫الخارجية‬ ‫السياسة‬‫من‬ ‫فريق‬ ‫أداره‬ ‫الذي‬ ‫إيران‪،‬‬ ‫صوب‬ ‫التحرك‬ ‫بدأ‬ ‫مباشرة‬ ‫ذلك‬ ‫بعد‬ ‫المجاالت‪.‬‬ ‫مختلف‬ ‫في‬ ‫تركيا‬ ‫مع‬ ‫خاصة‬‫الجوار"‬ ‫"حلف‬ ‫صرح‬ ‫بناء‬ ‫والستكمال‬ ‫إيرانية‪.‬‬ ‫أصول‬ ‫من‬ ‫بعضهم‬ ‫كان‬ ‫الذين‬ ‫اإلسرائيليين"‪،‬‬ ‫"‬ ‫الخبراء‬‫لكي‬ ‫وسرية‪،‬‬ ‫علنية‬ ‫إثيوبيا‪،‬‬ ‫مع‬ ‫نشطة‬ ‫اتصاالت‬ ‫جرت‬ ‫أمنهم‪،‬‬ ‫وتهديد‬ ‫العرب‬ ‫على‬ ‫للضغط‬ ‫به‬ ‫لالستعانة‬‫‪.‬‬ ‫لشمالية‬ ‫وا‬ ‫الشرقية‬ ‫ناحيتيه‬ ‫من‬ ‫اكتمل‬ ‫بعدما‬ ‫العربي‪،‬‬ ‫الوطن‬ ‫من‬ ‫الجنوبي‬ ‫مركزه‬ ‫عند‬ ‫المثلث‬ ‫زوايا‬ ‫تكتمل‬‫الوطن‬ ‫في‬ ‫والطائفية‬ ‫العرقية‬ ‫األقليات‬ ‫مع‬ ‫تحالفات‬ ‫عقد‬ ‫في‬ ‫تمثلت‬ ‫االستراتيجية‬ ‫في‬ ‫الثالثة‬ ‫الركيزة‬ ‫*‬‫أطول‪.‬‬ ‫وقفة‬ ‫تتطلب‬ ‫مسألة‬ ‫وهذه‬ ‫العربي‪،‬‬‫)‬ ‫‪3‬‬ ‫(‬‫غير‬ ‫بدول‬ ‫المحاطة‬ ‫األقطار‬ ‫تلك‬ ‫سيما‬ ‫ال‬ ‫العربية‪،‬‬ ‫األقليات‬ ‫مع‬ ‫خاصة‬ ‫عالقات‬ ‫بإقامة‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫اهتمت‬‫الذي‬ ‫الخبراء‬ ‫فريق‬ ‫الخمسينات‬ ‫بداية‬ ‫في‬ ‫السياسة‬ ‫هذه‬ ‫رسم‬ ‫وقد‬ ‫)‪.‬‬ ‫والسودان‬ ‫يا‬ ‫وسور‬ ‫(العراق‬ ‫عربية‬‫وموشى‬ ‫ساسون‬ ‫وايلياهو‬ ‫شيلواح‬ ‫"رؤبين‬ ‫من‬ ‫كل‬ ‫وتفسيرها‬ ‫شرحها‬ ‫في‬ ‫أفاض‬ ‫وقد‬ ‫جوريون‬ ‫بن‬ ‫شكله‬‫الدول‬ ‫مع‬ ‫المشاكل‬ ‫افتعال‬ ‫طريق‬ ‫عن‬ ‫إما‬ ‫العربية‬ ‫الطاقة‬ ‫تشتيت‬ ‫على‬ ‫العمل‬ ‫استهدفت‬ ‫حيث‬ ‫"‪،‬‬ ‫شاريت‬‫األقطار‪،‬‬ ‫تلك‬ ‫في‬ ‫تعيش‬ ‫التي‬ ‫األقليات‬ ‫مع‬ ‫التحالف‬ ‫خالل‬ ‫من‬ ‫أو‬ ‫العربية‪،‬‬ ‫غير‬ ‫الجوار‬ ‫ل‬ ‫دو‬ ‫عبر‬ ‫العربية‬‫واألقباط‬ ‫سوريا‪،‬‬ ‫في‬ ‫واألكراد‬ ‫والدروز‬ ‫لبنان‪،‬‬ ‫في‬ ‫والموارنة‬ ‫السودان‪،‬‬ ‫جنوب‬ ‫وسكان‬ ‫العراق‪،‬‬ ‫في‬ ‫كاألكراد‬‫‪.‬‬ ‫مختلفة‬ ‫عربية‬ ‫دول‬ ‫في‬ ‫أخرى‬ ‫وأقليات‬ ‫مصر‪،‬‬ ‫في‬‫أن‬ ‫سنجد‬ ‫‪-‬‬ ‫والعلنية‬ ‫منها‬ ‫السرية‬ ‫‪-‬‬ ‫المضمار‬ ‫هذا‬ ‫في‬ ‫اإلسرائيلية"‬ ‫"‬ ‫الجهود‬ ‫إزاء‬ ‫متأنية‬ ‫نظرة‬ ‫ألقينا‬ ‫وإذا‬‫على‬ ‫وتحفيزها‬ ‫شحذها‬ ‫بهدف‬ ‫األقليات‬ ‫هذه‬ ‫مع‬ ‫العالقات‬ ‫مجال‬ ‫في‬ ‫المتخصصين‬ ‫الخبراء‬ ‫جندت‬ ‫"إسرائيل"‬‫يؤرام‬ ‫شيلواح‪،‬‬ ‫"رؤبين‬ ‫هؤالء‬ ‫مقدمة‬ ‫في‬ ‫وكان‬ ‫بها‪.‬‬ ‫الخاصة‬ ‫العرقية‬ ‫الكيانات‬ ‫وإقامة‬ ‫واالنفصال‬ ‫التمرد‬ ‫األكراد‪.‬‬ ‫مع‬ ‫الحوار‬ ‫وإجراء‬ ‫للتحرك‬ ‫اربيلي"‬ ‫وشوشانا‬ ‫فرات‬ ‫بن‬ ‫مردخاي‬ ‫لوبراني‪،‬‬ ‫ي‬ ‫اور‬ ‫نمرودي‪،‬‬‫األقليات‬ ‫مع‬ ‫للتعامل‬ ‫‪-‬‬ ‫الموساد‬ ‫جهاز‬ ‫رئيس‬ ‫‪-‬‬ ‫هرائيل"‬ ‫و"ايسر‬ ‫”‬ ‫ساسون"‬ ‫"ايلياهو‬ ‫من‬ ‫كل‬ ‫إلى‬ ‫وأسندت‬‫ولبنان‪.‬‬ ‫سوريا‬ ‫من‬ ‫كل‬ ‫في‬‫االستراتيجية‬ ‫واستيعاب‬ ‫فهم‬ ‫في‬ ‫بمكان‬ ‫األهمية‬ ‫من‬ ‫يعتبر‬ ‫باألقليات‬ ‫الخاص‬ ‫األخير‬ ‫المرتكز‬ ‫هذا‬‫التعبير‬ ‫على‬ ‫المنطقة‬ ‫في‬ ‫األقليات‬ ‫وحث‬ ‫تشجيع‬ ‫يتم‬ ‫خاللها‬ ‫من‬ ‫والتي‬ ‫العربية‬ ‫المنطقة‬ ‫إزاء‬ ‫"اإلسرائيلية"‬‫هذه‬ ‫طبيعة‬ ‫كانت‬ ‫ً‬ ‫أيا‬ ‫األم‬ ‫الدولة‬ ‫عن‬ ‫واالستقالل‬ ‫المصير‬ ‫تقرير‬ ‫حق‬ ‫على‬ ‫الحصول‬ ‫درجة‬ ‫إلى‬ ‫ذاتها‬ ‫عن‬‫السعي‬ ‫أو‬ ‫‪-‬‬ ‫تأكيد‬ ‫األساسي‬ ‫هدفه‬ ‫كان‬ ‫المنطق‬ ‫هذا‬ ‫مثل‬ ‫أن‬ ‫في‬ ‫شك‬ ‫وال‬ ‫والنوعية‪،‬‬ ‫الحجم‬ ‫حيث‬ ‫من‬ ‫األقليات‬‫واحدة‪.‬‬ ‫وحضارية‬ ‫ثقافية‬ ‫وحدة‬ ‫تشكل‬ ‫أنها‬ ‫ً‬ ‫دوما‬ ‫العرب‬ ‫يؤكد‬ ‫كما‬ ‫ليست‬ ‫العربية‬ ‫المنطقة‬ ‫أن‬ ‫حقيقة‬ ‫‪-‬‬ ‫لتأكيد‬‫تصوير‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫اعتادت‬ ‫وقد‬ ‫واالثني‪.‬‬ ‫والديني‬ ‫اللغوي‬ ‫والتعدد‬ ‫الثقافات‬ ‫من‬ ‫متنوع‬ ‫خليط‬ ‫هي‬ ‫وإنما‬‫ما‬ ‫والقومي‬ ‫والديني‬ ‫اللغوي‬ ‫التعدد‬ ‫أشكال‬ ‫من‬ ‫معقدة‬ ‫شبكة‬ ‫ظهرانيها‬ ‫بين‬ ‫تضم‬ ‫سيفساء‬ ‫ف‬ ‫أنها‬ ‫على‬ ‫المنطقة‬‫وكاثوليك‬ ‫وبروتستانت‬ ‫ويهود‬ ‫ودروز‬ ‫وبهائيين‬ ‫وأكراد‬ ‫و"إسرائيليين"‬ ‫وأرمن‬ ‫وأتراك‬ ‫وفرس‬ ‫عرب‬ ‫بين‬‫‪.‬‬ ‫الخ‬ ‫وآشوريين‪..‬‬ ‫وتركمان‬ ‫وشركس‬ ‫وموارنة‬ ‫وسنة‬ ‫وشيعة‬ ‫وصابئة‬ ‫وعلويين‬‫تاريخ‬ ‫يوجد‬ ‫ال‬ ‫وأنه‬ ‫أقليات‬ ‫مجموعة‬ ‫إال‬ ‫هي‬ ‫ما‬ ‫المنطقة‬ ‫أن‬ ‫على‬ ‫اإللحاح‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ذلك‬ ‫في‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫انطلقت‬‫تحقيق‬ ‫ذلك‬ ‫من‬ ‫والغاية‬ ‫حدة‪.‬‬ ‫على‬ ‫أقلية‬ ‫كل‬ ‫تاريخ‬ ‫هو‬ ‫الحقيقي‬ ‫التاريخ‬ ‫يصبح‬ ‫ثم‬ ‫ومن‬ ‫يجمعها‪،‬‬ ‫موحد‬‫للتصور‬ ‫ً‬ ‫فتبعا‬ ‫العربية‪،‬‬ ‫الوحدة‬ ‫إلى‬ ‫والدعوة‬ ‫العربية‬ ‫القومية‬ ‫مفهوم‬ ‫رفض‬ ‫هما‪:‬‬ ‫أساسيين‬ ‫هدفين‬‫‪.‬‬ ‫اإلطالق‬ ‫على‬ ‫موضوع‬ ‫ذات‬ ‫غير‬ ‫تكن‬ ‫لم‬ ‫إن‬ ‫الغموض‬ ‫يحيطها‬ ‫فكرة‬ ‫العربية‬ ‫القومية‬ ‫تصبح‬ ‫"اإلسرائيلي"‬‫هذه‬ ‫في‬ ‫تصبح‬ ‫التي‬ ‫المنطقة‪،‬‬ ‫في‬ ‫الصهيوني‬ ‫‪-‬‬ ‫"اإلسرائيلي"‬ ‫الوجود‬ ‫شرعية‬ ‫تبرير‬ ‫هو‬ ‫الثاني‪:‬‬ ‫الهدف‬‫من‬ ‫ل‪.‬‬ ‫والمحا‬ ‫الوهم‬ ‫من‬ ‫ضرب‬ ‫هو‬ ‫بينها‬ ‫وحدة‬ ‫قيام‬ ‫وتصور‬ ‫واللغات‪،‬‬ ‫والشعوب‬ ‫القوميات‬ ‫من‬ ‫ً‬ ‫خليطا‬ ‫الحالة‬‫اإلطار‬ ‫هذا‬ ‫وفي‬ ‫بها‬ ‫الخاصة‬ ‫دولتها‬ ‫القوميات‬ ‫هذه‬ ‫من‬ ‫قومية‬ ‫لكل‬ ‫تكون‬ ‫أن‬ ‫هي‬ ‫المنطقية‬ ‫النتيجة‬ ‫فإن‬ ‫ثم‬‫‪.‬‬ ‫المنطقة‬ ‫في‬ ‫القومية‬ ‫الدول‬ ‫إحدى‬ ‫باعتبارها‬ ‫شرعيتها‪،‬‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫تكتسب‬‫مجموعة‬ ‫ففي‬ ‫تعبير‪،‬‬ ‫خير‬ ‫الصدد‬ ‫هذا‬ ‫في‬ ‫الصهيوني‬ ‫"اإلسرائيلي"‬ ‫الفكر‬ ‫عن‬ ‫ايبان"‬ ‫"أبا‬ ‫حديث‬ ‫يعد‬‫وحدة‬ ‫يمثل‬ ‫األوسط‬ ‫الشرق‬ ‫إن‬ ‫القائل‬ ‫االفتراض‬ ‫على‬ ‫يعترض‬ ‫إسرائيل"‬ ‫"صوت‬ ‫بعنوان‬ ‫نشرت‬ ‫التي‬ ‫كتاباته‬‫عن‬ ‫فرقة‬ ‫في‬ ‫ً‬ ‫دائما‬ ‫عاشوا‬ ‫العرب‬ ‫أن‬ ‫ويوضح‬ ‫الوحدة‪.‬‬ ‫هذه‬ ‫مع‬ ‫تتكامل‬ ‫أن‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫على‬ ‫وأن‬ ‫ثقافية‬‫في‬ ‫السياسية‬ ‫ئة‬ ‫التجز‬ ‫فإن‬ ‫ثم‬ ‫ومن‬ ‫السالح‪،‬‬ ‫بقوة‬ ‫تتم‬ ‫كانت‬ ‫القصيرة‬ ‫الوحدة‬ ‫فترات‬ ‫وأن‬ ‫بعضاً‪،‬‬ ‫بعضهم‬‫من‬ ‫العربية‪،‬‬ ‫البالد‬ ‫تجمع‬ ‫التي‬ ‫والتراث‬ ‫الثقافية‬ ‫الروابط‬ ‫ألن‬ ‫يشاع‪،‬‬ ‫كما‬ ‫االستعمار‬ ‫بسبب‬ ‫تكن‬ ‫لم‬ ‫المنطقة‬‫والتنظيمية‪.‬‬ ‫السياسية‬ ‫للوحدة‬ ‫األساس‬ ‫تضع‬ ‫أن‬ ‫يمكن‬ ‫ال‬ ‫نظره‪،‬‬ ‫وجهة‬‫)‬ ‫‪4‬‬ ‫(‬‫أنها‬ ‫فذكر‬ ‫األساسي‪.‬‬ ‫وموضوعه‬ ‫الكتاب‬ ‫محور‬ ‫هي‬ ‫التي‬ ‫األطراف"‬ ‫"شد‬ ‫نظرية‬ ‫شرح‬ ‫في‬ ‫المؤلف‬ ‫أفاض‬‫على‬ ‫العناصر‬ ‫تلك‬ ‫من‬ ‫واحد‬ ‫لكل‬ ‫وعرض‬ ‫وسياسية‪،‬‬ ‫وعسكرية‬ ‫عرقية‬ ‫أبعاد‬ ‫ذات‬ ‫عناصر‬ ‫عدة‬ ‫على‬ ‫ترتكز‬‫‪:‬‬ ‫التالي‬ ‫النحو‬‫إطار‬ ‫في‬ ‫عربية‬ ‫غير‬ ‫وجماعات‬ ‫دوالً‬ ‫يضم‬ ‫اثني‬ ‫تجمع‬ ‫لخلق‬ ‫دعوة‬ ‫بمثابة‬ ‫الفكرة‬ ‫كانت‬ ‫العرقية‬ ‫الزاوية‬ ‫من‬‫وقد‬ ‫والجماعات‪.‬‬ ‫الدول‬ ‫تلك‬ ‫يهدد‬ ‫المد‬ ‫ذلك‬ ‫أن‬ ‫بار‬ ‫باعت‬ ‫العربي‪،‬‬ ‫القومي‬ ‫المد‬ ‫لمواجهة‬ ‫والتعاون‬ ‫العمل‬ ‫من‬‫إلى‬ ‫األطراف‬ ‫تلك‬ ‫يدفع‬ ‫أن‬ ‫يجب‬ ‫التهديد‬ ‫ذلك‬ ‫خطر‬ ‫أن‬ ‫على‬ ‫الصدد‬ ‫هذا‬ ‫في‬ ‫"اإلسرائيلي"‬ ‫الخطاب‬ ‫ركز‬‫مندريس‬ ‫عدنان‬ ‫من‬ ‫كل‬ ‫إلى‬ ‫جوريون‬ ‫بن‬ ‫ووضوح‬ ‫بصراحة‬ ‫نقلها‬ ‫الرسالة‬ ‫وهذه‬ ‫واحد‪.‬‬ ‫خندق‬ ‫في‬ ‫االحتشاد‬‫الذي‬ ‫المعنى‬ ‫هو‬ ‫وهذا‬ ‫‪.‬‬ ‫هيالسالسي‬ ‫واإلمبراطور‬ ‫إيران‬ ‫وشاه‬ ‫ت‪،‬‬ ‫الخمسينا‬ ‫أواخر‬ ‫في‬ ‫تركيا‬ ‫وزراء‬ ‫رئيس‬‫عناصر‬ ‫من‬ ‫جديدة‬ ‫دفعة‬ ‫على‬ ‫محاضرة‬ ‫‪59‬‬ ‫عام‬ ‫في‬ ‫ألقى‬ ‫حين‬ ‫في‬ ‫الموساد‬ ‫رئيس‬ ‫عميت)‬ ‫(مائير‬ ‫عنه‬ ‫عبر‬‫إثارة‬ ‫في‬ ‫ينجح‬ ‫أن‬ ‫بد‬ ‫ال‬ ‫كان‬ ‫القومي‪،‬‬ ‫المد‬ ‫حركة‬ ‫جسدته‬ ‫الذي‬ ‫العربي‬ ‫بالخطر‬ ‫التهديد‬ ‫إن‬ ‫فيها‪:‬‬ ‫قال‬ ‫الموساد‬‫ولبنان‬ ‫وسوريا‬ ‫العراق‬ ‫في‬ ‫وخاصة‬ ‫العربية‪،‬‬ ‫الدول‬ ‫داخل‬ ‫العربية‬ ‫غير‬ ‫الجماعات‬ ‫لدى‬ ‫ية‬ ‫النفس‬ ‫النوازع‬‫واإليراني‬ ‫والتركي‬ ‫"اإلسرائيلي"‬ ‫الشعب‬ ‫مثل‬ ‫شعوب‬ ‫في‬ ‫المتمثل‬ ‫االثني‬ ‫الوجود‬ ‫أن‬ ‫كما‬ ‫‪..‬‬ ‫والسودان‬‫بين‬ ‫ية‬ ‫تحالف‬ ‫عالقة‬ ‫لقيام‬ ‫ً‬ ‫أساسا‬ ‫شكل‬ ‫المنطقة‪،‬‬ ‫على‬ ‫المهيمن‬ ‫العربي‬ ‫العنصر‬ ‫مع‬ ‫يتناقض‬ ‫الذي‬ ‫واإلثيوبي‪،‬‬‫‪.‬‬ ‫الشعوب‬ ‫تلك‬ ‫تمثل‬ ‫التي‬ ‫والدول‬ ‫"إسرائيل"‬‫الدول‬ ‫تحث‬ ‫لكي‬ ‫النفطية‪،‬‬ ‫بالقوة‬ ‫المعززين‬ ‫العرب‬ ‫هيمنة‬ ‫من‬ ‫التخويف‬ ‫سالح‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫استخدمت‬‫مائير‬ ‫جولدا‬ ‫ذلك‬ ‫عن‬ ‫عبرت‬ ‫وقد‬ ‫"الخطر"‪.‬‬ ‫ذلك‬ ‫لدرء‬ ‫والتحالف‬ ‫االحتشاد‬ ‫إلى‬ ‫العربية‬ ‫غير‬ ‫والجماعات‬‫المحيطة‬ ‫الدول‬ ‫إقناع‬ ‫في‬ ‫نجحنا‬ ‫لقد‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫حين‬ ‫‪،‬‬ ‫‪1960‬‬ ‫عام‬ ‫ال‬ ‫العم‬ ‫لحزب‬ ‫مؤتمر‬ ‫في‬ ‫الخارجية‬ ‫وزيرة‬‫الدول‬ ‫هذه‬ ‫ويقي‬ ‫الخطر‬ ‫يدرأ‬ ‫الدول‪،‬‬ ‫تلك‬ ‫حول‬ ‫من‬ ‫ً‬ ‫سورا‬ ‫ليشكل‬ ‫الدائرة"‪،‬‬ ‫"حلف‬ ‫إلقامة‬ ‫العربية‬ ‫بالدول‬‫العربية‪.‬‬ ‫القومية‬ ‫حركة‬ ‫من‬ ‫ويصونها‬‫سبيل‬ ‫ال‬ ‫أنه‬ ‫على‬ ‫ائيل"‬ ‫"إسر‬ ‫ركزت‬ ‫فقد‬ ‫مدى‪.‬‬ ‫أبعد‬ ‫إلى‬ ‫ً‬ ‫عسكريا‬ ‫استثمرت‬ ‫العربي‬ ‫الخطر‬ ‫من‬ ‫التخويف‬ ‫فكرة‬‫لتلك‬ ‫وجندت‬ ‫الجوار‪.‬‬ ‫دول‬ ‫وبين‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫بين‬ ‫وثيق‬ ‫عسكري‬ ‫تعاون‬ ‫بإقامة‬ ‫إال‬ ‫الخطر‬ ‫ذلك‬ ‫صد‬ ‫إلى‬‫(رؤبين‬ ‫الموساد‬ ‫رئيس‬ ‫بين‬ ‫لقاء‬ ‫أول‬ ‫عقد‬ ‫السياق‬ ‫هذا‬ ‫في‬ ‫والسياسية‪.‬‬ ‫العسكرية‬ ‫الشخصيات‬ ‫أبرز‬ ‫المهمة‬‫أخرى‪.‬‬ ‫ودول‬ ‫إيطاليا‬ ‫في‬ ‫اللقاءات‬ ‫تلك‬ ‫وتتابعت‬ ‫‪،‬‬ ‫‪1957‬‬ ‫عام‬ ‫روسيا‬ ‫في‬ ‫تركي‬ ‫عسكري‬ ‫وفد‬ ‫وبين‬ ‫)‬ ‫شيلواح‬‫وما‬ ‫االجتماعات‪.‬‬ ‫تلك‬ ‫لكل‬ ‫الرئيسي‬ ‫الموضوع‬ ‫هو‬ ‫العربي‬ ‫المد‬ ‫خطر‬ ‫لصد‬ ‫واألمني‬ ‫العسكري‬ ‫التعاون‬ ‫وكان‬‫أن‬ ‫على‬ ‫الدول‬ ‫تلك‬ ‫إلى‬ ‫الموجه‬ ‫خطابه‬ ‫في‬ ‫جوريون‬ ‫بن‬ ‫ركز‬ ‫حيث‬ ‫وإثيوبيا‪،‬‬ ‫إيران‬ ‫مع‬ ‫تكرر‬ ‫تركيا‬ ‫مع‬ ‫حدث‬‫العربية‬ ‫غير‬ ‫األخرى‬ ‫الدول‬ ‫تشكل‬ ‫أن‬ ‫الضروري‬ ‫ومن‬ ‫ربي‪،‬‬ ‫ع‬ ‫شرق‬ ‫هو‬ ‫األوسط‬ ‫الشرق‬ ‫أن‬ ‫يزعمون‬ ‫العرب‬‫واستقاللها‪.‬‬ ‫وجودها‬ ‫عن‬ ‫وللدفاع‬ ‫المقولة‪،‬‬ ‫تلك‬ ‫لدحض‬ ‫واحدة‪،‬‬ ‫كتلة‬ ‫المنطقة‬ ‫في‬‫تنظيم‬ ‫إلى‬ ‫وأدى‬ ‫إثيوبيا)‪.‬‬ ‫إيران‪،‬‬ ‫(تركيا‪،‬‬ ‫الثالث‬ ‫الدول‬ ‫مع‬ ‫ً‬ ‫وثيقا‬ ‫ً‬ ‫أمنيا‬ ‫ً‬ ‫تعاونا‬ ‫أثمر‬ ‫"اإلسرائيلي"‬ ‫الجهد‬ ‫هذا‬‫‪،‬‬ ‫‪1958‬‬ ‫عام‬ ‫وطهران‬ ‫أنقرة‬ ‫من‬ ‫كل‬ ‫في‬ ‫عقدت‬ ‫األربع‪،‬‬ ‫الدول‬ ‫في‬ ‫ألركان‬ ‫ا‬ ‫رؤساء‬ ‫بين‬ ‫عدة‬ ‫سرية‬ ‫لقاءات‬‫وإيران‬ ‫تركيا‬ ‫إلى‬ ‫وأمني‬ ‫عسكري‬ ‫خبير‬ ‫آالف‬ ‫عشرة‬ ‫من‬ ‫أكثر‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫أرسلت‬ ‫التعاون‬ ‫ذلك‬ ‫سياق‬ ‫وفي‬‫في‬ ‫"اإلسرائيليين"‬ ‫العسكريين‬ ‫الخبراء‬ ‫عدد‬ ‫وصل‬ ‫حتى‬ ‫الالحقة‪،‬‬ ‫السنوات‬ ‫في‬ ‫الرقم‬ ‫هذا‬ ‫وتطور‬ ‫وإثيوبيا‪.‬‬‫وإيران‬ ‫تركيا‬ ‫من‬ ‫كالً‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫زودت‬ ‫كما‬ ‫شخص‪.‬‬ ‫ألف‬ ‫‪20‬‬ ‫من‬ ‫أكثر‬ ‫إلى‬ ‫‪78‬‬ ‫و‬ ‫‪77‬‬ ‫عامي‬ ‫وحدها‬ ‫إيران‬‫من‬ ‫ورشاشات‬ ‫وبنادق‬ ‫رادار‬ ‫وأجهزة‬ ‫هاون‬ ‫ومدافع‬ ‫(جبلاير)‬ ‫بر‬ ‫‪-‬‬ ‫بر‬ ‫صواريخ‬ ‫مثل‬ ‫صنعها‪،‬‬ ‫من‬ ‫بأسلحة‬‫عوزي‪.‬‬ ‫نوع‬‫أصبحت‬ ‫الدول‬ ‫تلك‬ ‫أن‬ ‫إلى‬ ‫مطمئنة‬ ‫أصبحت‬ ‫فإنها‬ ‫الصعيد‪،‬‬ ‫ذلك‬ ‫على‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫حققته‬ ‫الذي‬ ‫النجاح‬ ‫إزاء‬‫اإلسالمية‬ ‫الثورة‬ ‫قيام‬ ‫بعد‬ ‫إليران‬ ‫بالنسبة‬ ‫الموقف‬ ‫اختلف‬ ‫وإن‬ ‫العرب‪،‬‬ ‫مواجهة‬ ‫في‬ ‫لها‬ ‫احتياطية‬ ‫قوى‬ ‫تمثل‬‫‪.‬‬ ‫‪79‬‬ ‫عام‬ ‫في‬‫اصطفاف‬ ‫خلق‬ ‫ضرورة‬ ‫على‬ ‫األطراف‬ ‫شد‬ ‫لنظرية‬ ‫الشاملة‬ ‫االستراتيجية‬ ‫الرؤية‬ ‫اعتمدت‬ ‫الوقت‬ ‫ذات‬ ‫في‬‫دولة‬ ‫بحسبانها‬ ‫نفسها‬ ‫تقدم‬ ‫أن‬ ‫على‬ ‫سرائيل"‬ ‫"إ‬ ‫وحرصت‬ ‫الغرب‪.‬‬ ‫مع‬ ‫ومتحالف‬ ‫ومترابط‬ ‫متجانس‬ ‫سياسي‬‫تعاملت‬ ‫كما‬ ‫تركيا‪،‬‬ ‫مع‬ ‫لها‬ ‫ً‬ ‫مشتركا‬ ‫ً‬ ‫قاسما‬ ‫يشكل‬ ‫ذلك‬ ‫واعتبرت‬ ‫له‪.‬‬ ‫ً‬ ‫استراتيجيا‬ ‫ً‬ ‫وعمقا‬ ‫للغرب‬ ‫ً‬ ‫امتدادا‬ ‫تمثل‬‫التطابق‬ ‫أو‬ ‫التشابه‬ ‫عوامل‬ ‫إلبراز‬ ‫سعيها‬ ‫وفي‬ ‫للغرب‪.‬‬ ‫بالوالء‬ ‫تدينان‬ ‫دولتان‬ ‫أنهما‬ ‫على‬ ‫وإثيوبيا‬ ‫إيران‬ ‫مع‬‫حولها‪،‬‬ ‫من‬ ‫فرضت‬ ‫التي‬ ‫السياسية‬ ‫العزلة‬ ‫جدار‬ ‫تكسر‬ ‫أن‬ ‫أرادت‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫فإن‬ ‫جوار‪،‬‬ ‫ال‬ ‫دول‬ ‫وبين‬ ‫بينها‬‫باعتبارها‬ ‫ً‬ ‫ودوليا‬ ‫إقليميا‬ ‫التحرك‬ ‫إمكانية‬ ‫لها‬ ‫يوفر‬ ‫أن‬ ‫شأنه‬ ‫من‬ ‫العربية‬ ‫غير‬ ‫الجوار‬ ‫دول‬ ‫مع‬ ‫تعاملها‬ ‫ألن‬‫في‬ ‫سياسية‬ ‫ال‬ ‫غاياتها‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫تحقيق‬ ‫أن‬ ‫إلى‬ ‫المؤلف‬ ‫نبه‬ ‫النقطة‬ ‫هذه‬ ‫وفي‬ ‫المنطقة‪.‬‬ ‫في‬ ‫عادية‬ ‫دولة‬‫مع‬ ‫تتوافق‬ ‫مصالحها‬ ‫أن‬ ‫وجدت‬ ‫التي‬ ‫الغربية‬ ‫القوى‬ ‫مساعدة‬ ‫لوال‬ ‫يتأتى‬ ‫يكن‬ ‫لم‬ ‫األطراف‬ ‫شد‬ ‫استراتيجية‬‫"إسرائيل"‬ ‫بين‬ ‫المجاالت‬ ‫مختلف‬ ‫في‬ ‫التعاون‬ ‫اتفاقات‬ ‫جميع‬ ‫فإن‬ ‫ولذلك‬ ‫التحالفات‪.‬‬ ‫من‬ ‫الشبكة‬ ‫هذه‬ ‫إقامة‬‫أخص‪.‬‬ ‫بوجه‬ ‫وبريطانيا‬ ‫المتحدة‬ ‫الواليات‬ ‫جانب‬ ‫من‬ ‫محدود‬ ‫غير‬ ‫ً‬ ‫دعما‬ ‫لقيت‬ ‫الثالث‬ ‫والدول‬‫)‬ ‫‪5‬‬ ‫(‬‫يعد‬ ‫فلم‬ ‫واحداً‪،‬‬ ‫ظل‬ ‫فقد‬ ‫هدفها‬ ‫أما‬ ‫اختلفت‪،‬‬ ‫أو‬ ‫تطورت‬ ‫وسائلها‬ ‫لكن‬ ‫مستمرة‪،‬‬ ‫زالت‬ ‫ما‬ ‫االستراتيجية‬‫خالل‬ ‫من‬ ‫التخويف‬ ‫يمارس‬ ‫صار‬ ‫وإنما‬ ‫العربي‪،‬‬ ‫القومي‬ ‫المد‬ ‫من‬ ‫التخويف‬ ‫على‬ ‫يركز‬ ‫"اإلسرائيلي"‬ ‫الخطاب‬‫فقد‬ ‫العربي‪،‬‬ ‫والتفكك‬ ‫والضعف‬ ‫التداعي‬ ‫ظل‬ ‫في‬ ‫أنه‬ ‫ا‬ ‫كم‬ ‫اإلسالمية‪..‬‬ ‫واألصولية‬ ‫اإلرهاب‬ ‫بأخطار‬ ‫التلويح‬‫جزر‬ ‫فيه‬ ‫تقع‬ ‫ً‬ ‫عربيا‬ ‫بحراً‬ ‫تعد‬ ‫لم‬ ‫األوسط‬ ‫الشرق‬ ‫منطقة‬ ‫"إن‬ ‫مقولة‬ ‫على‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫تركز‬ ‫أن‬ ‫ً‬ ‫بديهيا‬ ‫بات‬‫القوى‬ ‫أن‬ ‫حين‬ ‫في‬ ‫صغيرة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫جزرا‬ ‫يشكلون‬ ‫أصبحوا‬ ‫الذين‬ ‫هم‬ ‫العرب‬ ‫"اسرائيل")إسرائيل‬ ‫(مثل‬ ‫إقليمية‬‫رأي‬ ‫وفي‬ ‫تركيا"‪.‬‬ ‫خاصة‬ ‫الجوار‪،‬‬ ‫ودول‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫على‬ ‫مقصورة‬ ‫أصبحت‬ ‫قة‬ ‫المنط‬ ‫في‬ ‫والفاعلة‬ ‫المؤثرة‬‫أهدافها‪،‬‬ ‫لتحقيق‬ ‫"إسرائيل"‬ ‫أمام‬ ‫الفرص‬ ‫أفضل‬ ‫توفر‬ ‫ً‬ ‫وإقليميا‬ ‫ً‬ ‫عربيا‬ ‫اآلن‬ ‫السائدة‬ ‫الظروف‬ ‫أن‬ ‫المؤلف‬‫والجماعات‬ ‫األقليات‬ ‫واستثارة‬ ‫تحريك‬ ‫عبر‬ ‫الرئيسية‪،‬‬ ‫العربية‬ ‫األقطار‬ ‫وحدة‬ ‫وتفكيك‬ ‫تفتيت‬ ‫رأسها‬ ‫وعلى‬‫السودان‪.‬‬ ‫وجنوب‬ ‫العراق‪،‬‬ ‫ألكراد‬ ‫بالنسبة‬ ‫حدث‬ ‫كما‬ ‫فيها‪،‬‬ ‫الموجودة‬ ‫ية‬ ‫االثن‬‫عربية‬ ‫دول‬ ‫في‬ ‫أهلية‬ ‫وحروب‬ ‫صراعات‬ ‫وتفجير‬ ‫لبنان‪،‬‬ ‫في‬ ‫جديد‬ ‫من‬ ‫األوضاع‬ ‫تفجير‬ ‫محاولة‬ ‫وكذلك‬‫‪.‬‬ ‫والجزائر‬ ‫وليبيا‬ ‫ومصر‬ ‫سوريا‬ ‫غرار‬ ‫على‬ ‫أخرى‪،‬‬‫شد‬ ‫نظرية‬ ‫أن‬ ‫في‬ ‫يتمثل‬ ‫خيرة‪،‬‬ ‫األ‬ ‫السنوات‬ ‫في‬ ‫طرأ‬ ‫والتفتيت‬ ‫التفكيك‬ ‫استراتيجية‬ ‫في‬ ‫مهم‬ ‫تطور‬ ‫ثمة‬‫عن‬ ‫بعيداً‬ ‫الطاقات‬ ‫تلك‬ ‫تستهلك‬ ‫بحيث‬ ‫وتشتيتها‬ ‫العربية‬ ‫الطاقات‬ ‫استنزاف‬ ‫فحسب‬ ‫تستهدف‬ ‫تعد‬ ‫لم‬ ‫األطراف‬‫بحيث‬ ‫وأخطر‪،‬‬ ‫أبعد‬ ‫هو‬ ‫ما‬ ‫إلى‬ ‫الحدود‬ ‫هذه‬ ‫المسألة‬ ‫تجاوزت‬ ‫وإنما‬ ‫"إسرائيل"‪.‬‬ ‫مع‬ ‫المواجهة‬ ‫ساحة‬‫الجسد‬ ‫عن‬ ‫وفصلها‬ ‫العربية‬ ‫غير‬ ‫األطراف‬ ‫سلخ‬ ‫نى‬ ‫بمع‬ ‫األطراف‪.‬‬ ‫تلك‬ ‫"بتر"‬ ‫إلى‬ ‫األطراف‬ ‫شد‬ ‫فكرة‬ ‫تطورت‬‫الجوار‪.‬‬ ‫دول‬ ‫مع‬ ‫التحالف‬ ‫خالل‬ ‫من‬ ‫العربي‪،‬‬‫في‬ ‫تبنيها‬ ‫تم‬ ‫التي‬ ‫األطراف‬ ‫شد‬ ‫استراتيجية‬ ‫أن‬ ‫ذكر‬ ‫الذي‬ ‫شيف‬ ‫زئيف‬ ‫"اإلسرائيلي"‬ ‫الباحث‬ ‫المعنى‬ ‫هذا‬ ‫أكد‬‫ذلك‬ ‫وبمقتضى‬ ‫الشد‪،‬‬ ‫وليس‬ ‫البتر‬ ‫شعار‬ ‫هو‬ ‫اآلن‬ ‫المرفوع‬ ‫أصبح‬ ‫بحيث‬ ‫تجاوزها‪،‬‬ ‫جرى‬ ‫الخمسينات‬ ‫أواخر‬‫الموقف‬ ‫إضعاف‬ ‫يستهدف‬ ‫يعد‬ ‫لم‬ ‫بحيث‬ ‫تحول‪،‬‬ ‫الطائفية‬ ‫أو‬ ‫العرقية‬ ‫الجماعات‬ ‫إلى‬ ‫الموجه‬ ‫الدعم‬ ‫فإن‬‫"البتر"‬ ‫لعملية‬ ‫خاصة‬ ‫أهمية‬ ‫يولي‬ ‫"اإلسرائيلي"‬ ‫الخطاب‬ ‫أصبح‬ ‫وإنما‬ ‫"إسرائيل"‪.‬‬ ‫مواجهة‬ ‫في‬ ‫العربي‬‫العربية‪.‬‬ ‫الدول‬ ‫عن‬ ‫المستقلة‬ ‫نات‬ ‫الكيا‬ ‫وتشكيل‬ ‫االنفصال‪،‬‬ ‫في‬ ‫والدينية‬ ‫العرقية‬ ‫الجماعات‬ ‫طموحات‬ ‫لتلبية‬‫إجابة‬ ‫نعرض‬ ‫هللا‬ ‫بإذن‬ ‫القادم‬ ‫األسبوع‬ ‫في‬ ‫حققها؟‬ ‫التي‬ ‫النجاحات‬ ‫هي‬ ‫وما‬ ‫السودان؟‬ ‫في‬ ‫المخطط‬ ‫نفذ‬ ‫كيف‬‫أخرى‪.‬‬ ‫أسئلة‬ ‫من‬ ‫عنهما‬ ‫يتفرع‬ ‫وما‬ ‫السؤالين‪،‬‬ ‫على‬ ‫"اإلسرائيلي"‬ ‫المؤلف‬

د. عبد العظيم الديب

خطاب مفتوح إلى الرئيس عُمر البشير 

بسم الله الرحمن الرحيم  الدكتور عبد العظيم محمود الديب  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وبعد:  سيادة الرئيس،  هذه الرسالة قدّمتُها مكتوبة منذ نحو عام ونصف وبالتحديد في 23/12/2003م إلى أخٍ كريم وزير من أبرز وزرائكم ، ثم تحدثت بمضمونها شفهياً إلى عالمٍ أديبٍ أريبٍ ، وهو من كبار مستشاريك، ولما لم أجد لها صدى أحببت أن أتقدم بها إلى فخامتكم، إبراءً للذمة، وإعذاراً إلى الله

د. عبد العظيم الديب

حذار أمتي .. فليست لبنان آخر المطاف

حذار أمتي!! معاركنا مع إسرائيل لم تنته، وليست لبنان آخرها، حتى ولو احتلوها بأجمعها، ولست أدري أين ستكون المعركة القادمة!! ولكنها حتمًا قادمة!! أما متى تكون؟ فلست أدري، ولكن يقينًا قبل مضي عام!! لا أقول ذلك رحبًا بالغيب، أو ادعاء للعلم بالمستقبل، حشا لله، ولكن أقوله عن يقين، من قراءة كتاب (الواقع) والواقع كتاب مفتوح يدعو من يقرأ، وينادي من يتدبر، فهل نتدبر؟ هل حقًّا نحن ننسى: بعد معركة يونيو المشئومة وقف (ديان) وقد أسكرته نشوة النصر يتحدث في لقاء صحفي عن خططه العسكرية وقدرته على معرفة مفاتيح سيناء، والقبض عليها من أول لحظة، وأن أبجديات الخطة هي كيت وكيت ... إلى آخر ما قال. فقال له أحد الصحفيين: ألا تخشى من إعلان ذلك والتحدث به، وقد تحتاج إلى خوض نفس المعركة واستخدام نفس الخطة، فكيف تكتشف عنها؟ فأجاب ساخرًا بأمة بأكملها: لا داعي للخوف من كشف خططي، فإن العرب لا يقرءون، وإذا قرءوا ينسون!! فهل نحن حقًّا لا نقرأ؟ وهل نحن حقًّا ننسى..  Page Break أوراقهم مكشوفة: إن عدونا لا يخفي أوراقه، ولا يداري أهدافه، والواقع يصدق قوله، فهل نقرأ أقوالهم، وهل نتدبر في واقعنا معهم؟ هذه أقوالهم: من المجوج المبتذل تكرار القول بأنهم يكتبون في صدر قاعة الكنيست لافتة ضخمة بحروف من نور (نيون) تقول: "ملك إسرائيل من الفرات إلى النيل". أعلن بن جوريون بعد احتلال سيناء سنة 1956م أن هذه أرضهم عادت إليهم. ألف بن جوريون كتابًا بعنوان (إسرائيل .. تاريخ شخصي) وضع فيه خريطة لإسرائيل تتضمن فلسطين كلها الضفة وغزة وسيناء والجولان. وقف موشى ديان خطيبًا في جنوده بعد 1967م قائلاً: إن جيلنا ؟؟ جيله هو ؟؟؟ قد انتزع لاسرائيل حدودها لأولى عام 1949م، وأنتم قد انتزعتم لها حدودها الحالية، وعلى الأجيال القادمة تقع مسئولية انتزاع حدود إسرائيل الأصلية التي تمتد إلى نهر الفرات والنيل. وغداة الهزيمة المشئومة في 1967م قال أشكول: اليوم ثأرنا لأجدادنا في خيبر. وتطلعت جولدامائير يومًا من على الحدود إلى الجنوب، وقالت: انظر إلى أجدادي في خيبر. ولا تنسوا أن إحدى الحملات الصليبية حاولت يومًا غزو (مكة) و(المدينة) وقالوا: لابد من هدم الكعبة، ونقل رفات محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى متحف اللوفر {كبرت كلمة تخرج من أفواههم}، هذه خطتهم وأهدافهم وههذ أقوالهم. وأما أعمالهم: في 5 يونيو 1981م قاموا بتحطيم المفاعل الذري العراقي، وعادوا إلى قواعدهم سالمين، وربحوا كمية هائلة من الأوراق فيها: نرفض ونشجب ونحتج بشدة، ولن نتهاون ... إلخ. في 7 يونيو 1982م بدأت عملية لبنان الرهيبة التي تدل على مدى الصلف والكبرياء والتحدي والإذلال. والواقع ينطق بأنها كانت معدة ومدبرة ومخططة ومرتبة من قبل، وليست كما يتوهم بعض حسني النية ردًّا على محاولة اغتيال السفير. لماذا يتوقفون؟ إن القوم عندهم هدف واضح أمامهم وثقة به يعلنونه لغيرهم، وعندهم خطة، وهذا واضح منذ مؤتمر (بال) حيث قدروا خمسين سنة لإنشاء إسرائيل، وقامت فعلاً في ظرف خمسين سنة، ومنذ عام 1949م وهم ينفذون ما يخططون ويتوسعون عامًا بعد عام. وفي إيجاز شديد: عندهم هدف، وخطة، وقدرة على التنفيذ، فما الذي يدعوهم إلى التوقف؟ .. إذًا ليست لبنان آخر المعارك!! فهل ننتظر المعركة القادمة؟ أم نفعل شيئًا من الآن؟  

د. عبد العظيم الديب

الجنوب السودان .. الانفصال القادم

ظلت قضية جنوب السودان تراوح مكانها منذ استقلال السودان عام 1956م وكان الجهل بالمجريات العامة في هذا الشأن هو السمة الغالبة سواء في الجانب السوداني أو الجانب الجنوبي .. واتسم موضوع الأزمة بالتعقيد الشديد، ونعلم جميعًا "سودانيين وجنوبيين" أن هناك حساسية بالغة حين الحديث عن الانفصال كواحد من الحلول التي يمكن طرحها.

د. عبد العظيم الديب

الزواج المبكر بين الرفض والقبول

وسط هذه الصعوبات التي تبدو من المجتمع أمام كل شاب يريد أن ينشئ أسرة جديدة وفي أجواء تواضع عليها أغلب أفراد المجتمع في أن الزواج يبدأ التفكير فيه بعد التخرج في الجامعة وإعداد كل فرد لنفسه ماديًا ووظيفيًا حتى يمكنه البدء في مشروع الزواج، يأتي د. عبدا لعظيم الديب باجتهاد جديد يدعو فيه إلى أن الأصل في الزواج هو التبكير لا التأخير، ويرى أن هذا العرف الذي شاع بيننا هو نتاج الثقافة الاستهلاكية التي غزت علينا العقول والقلوب، كيف يكون هذا الزواج؟ وما هي مقتضياته وكيف يتم التغلب فيه على صعوبات الحياة، ومن أين ينشئ الطالب المتزوج بيته؟ هذا هو ما سوف يطرحه د. الديب في هذا التحقيق، على حين يعارض د. عبد الله عتيبة (طبيب) والأستاذ عبد الوهاب هزاع (اجتماعي) هذا الرأي في هذا التحقيق. د. عبد العظيم الديب أستاذ الفقه والأصول بكلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية بجامعة قطر: لا نستطيع أن نتكلم في مثل هذا الأمر من غير أن ننظر لتواضعات المجتمع، فتواضع المجتمع وتعارفه له أثر في الحكم، وهذه القضية من القضايا الكثيرة التي فيها جانب اجتماعي وجانب شرعي، والجانب الاجتماعي في هذه أغلب، فمن المعروف المشهور أنه يجوز التزويج للصبيان وما زاوج السيدة عائشة - رضي الله تعالى عنها – بالنبي - صلى الله عليه وسلم – ببعيد، وحث النبي على الزواج وارد في أكثر من دليل، نذكر منها: (يا معشر الشباب من استطاع منك الباءة فليتزوج) معروفة مشهورة. فإذا جئنا لعصرنا هذا هل يجوز؟ الجواب شرعًا: نعم. وأما اجتماعيًا وعرفًا فكم أتمنى أن أقول نعم وألف نعم، أتمنى أن تعود الأسرة الواسعة الممتدة وأن تعود هندستنا المعمارية إلى وضعها الأصيل، وتنفك من هذه البيوت الممسوخة التي استوردنا نماذجها من الغرب، بمعنى أن يتاح في البيت حجرات ليتزوج فيها الأبناء، وهم في كنف الوالدين، وهذا أحصن للفرج وإغض للبصر، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . إن الله تعالى الذي خلق الإنسان وركز فيه هذه الغريزة التي تبلغ كما لها في الخامسة عشرة من العمر كيف نكبتها ونؤجلها ونقاوم الفطرة والطبيعة والخلقة بحجة أن الفتى لم يستعد بعد، لم يستعد بماذا؟ بالبيت الخاص والأثاث الإيطالي والرياش الفاخر، والديكور والخادم والسيارة... ويظل الفتى يغالب طبيعته وغريزته إلى الخامسة والعشرين والثلاثين والخامسة والثلاثين في بعض البلاد، فأي زواج هذا ولماذا يفرض المجتمع هذه القيود في الحلال؟ إن الفتى الذي يبلغ منذ الخامسة عشرة تقريبًا ويرى من حوله ما يرى من مظاهر، مضطر للبحث عن وسائل بعضها ضار مضر قاتل مثل إدمان النظر وإدمان التفكر وإدمان ... وبعضها لمن لم يحفظه ربه في الفحش، بل البعض يقعون في الآثام، فلماذا نسد أبواب الحلال؟ بينما نسمح لأفلام الجنس وتجارة الصور والاختلاط أن تعسًا لهذه الأعراف التي صنعناها أغلالاً ووضعناها قيودًا على أبنائنا وإنشاء أسرنا. وكم أتمنى أن تعود الأسرة الممتدة فينشأ الأبناء في أحضان آبائهم ويتمون تعليمهم وهم في هذه الأحضان الدافئة. وينشأ الأحفاد في أحضان أجدادهم وآبائهم فترابط الأسرة وتشتد قوتها وتماسكها وحينئذ سيقل الاستهلاك في عالمنا إلى ما يقرب من النصف، فالهاتف والسيارة والمائدة والأفران واحدة، لكن الذين صدروا إلينا هذه الثقافة – ثقافة الاستهلاك – لكي تروج منتجاتهم وتروج بضاعتهم وتتحطم مجتمعاتنا.. فما نشكوه الآن من عقوق هو بسبب تلك الثقافة الاستهلاكية. هل أنت مع زواج الشباب مبكرًا؟ لا يوجد زواج إلا أن يكون مبكرًا، وغير المبكر لا يسمى زواجًا، فإن الزواج يعد ذلك بعد وفاء بشكل (كبر فليتزوج). وهل يتلاءم الزواج المبكر مع أهمية توافر قدر معين من الإمكانات؟ ما معنى أن يكون نفسه؟ إن هذه هي المفاهيم المادية التي دمرت الأسرة العربية والإسلامية، وهذا هو المفهوم الكنسي الغربي أن يكمل ممتلكاته: الفيلا، والسيارة، بواحدة أخرى هي الزوجة، كيف يبلغ في سن الرابعة عشر (سن الزواج) ويظل حتى سن الثلاثين حتى يكمل أو يكوِّن نفسه؟ إنه صالح من (16) سنة للزواج، فإذا تزوج في سن الثلاثين أو الخامسة والثلاثين – أي بعد (21) سنة – قدرة على الزواج، فمتى يؤدب ابنه (سبعًا) ويلاعبه (سبعًا)؟ .. إن من يتزوج في سن الخامسة والثلاثين يحتاج لمن يناوله الدواء!! هل يمكن أن يكون الموقف الاجتماعي الحالي الذي يؤخر سن الزواج ذا صلة بتخطيط خارجي يتعرض له شباب الأمة؟ على ما روي من حديث (من كان عنده صبي فليتصابى له) إذا كان هذا واردًا، فكيف يتصابى زوج (من تزوج) في الأربعين من عمره؟ إنه بالفعل تفكير يهدد الأسرة المسلمة. إن تأجيل الزواج أدى إلى أمرين خطيرين هما: الأول تمزيق الأسرة المسلمة، فقد صارت (أسرة ذرية) وهي الزوج والزوجة والأولاد.. أما الأسرة التي تجمع المتزوجين في بيت واحد، فقد اختفت، وكانت تلك الأسرة تقوم بتقوية الروابط بين الأبناء والأعمام، وكانت تؤدي من ناحية أخرى إلى حسن التربية، فالطفل ينشأ في أسرة ممتدة: عدد من الأبناء المتزوجين فيحصل على قدر كبير من الحنان والرعاية أكثر من الذي ينشأ في الأسرة الذرية: فالأم لا يمكن أن تعطي ابنها كل الحنان والوقت، فقد كان ينتقل من حضن عمته إلى جدته إلى زوجة عمه، ويظل في محضن الحنان طوال صباه فيخرج إلى الحياة ممتلئ الحنان. الثاني: ضياع وفقدان القيم، فإن الجنوح الذي يظهر كثيرًا في أبناء هذا العصر هو بسبب الحرمان من الحياة. إن الزواج المبكر والأسرة الممتدة هما الوسيلة الوحيدة لنقل تجارب وخبرات الأجيال والقيم من جيل إلى جيل. الشاب محسن الهاجري (قاص قطري بملتقى الأدباء والكتاب وطالب جامعي): الزواج المكبر بالنسبة لنا ولجيلنا أكثر طرحًا وتناولاص، لأننا أصبحنا في حاجة ملحة له، نظرًا لظهور العديد من المشكلات في وقتنا الحاضر، فلقد أصبح الشباب يعاني كثيرًا وخاصة في فترة المراهقة، ويأتي الزواج المبكر بأهميته الكبيرة ليتيح الاستقرار والراحة للشاب في هذه الفترة الحرجة والمضطربة من حياته، ويكون ذلك بإمكانات بسيطة. هل أنت مع زواج الطالب والطالبة؟ د. عبد الله عتيبه (طبيب): أنا ضد هذا الزواج، لأن الزوجين اقتصاديًا غير مؤهلين، ولم ينضجا اجتماعيًا لتحمل المسئوليات، فتجاربهما في الحياة قليلة، وكيف يجدان الوقت للدراسة مع مسئوليات الحياة خاصة لو رزقا بأولاد؟ فليست المسألة هي القدرة الجنسية، بل القدرة النفسية. ففي الماضي كان مجيء الزوجة إلى بيت العائلة لا يؤثر كثيرًا، فالزراعة والأعمال جماعية، ولا يؤثر ذلك على عمل الفرد في الحقل، أما الاستقلالية الحالية فهي غريزة طيبة. عبد الوهاب هزاع (مشرع اجتماعي): أرى أن هذا الزواج غير ناجح لأن الطالب ما يزال صغير السن، وبالتالي يكون تفكيره غير ناضج، فلا يستطيع التصرف بعقل واتزان في المشاكل اليومية وبخاصة في هذا الزمن الذي تعقدت فيه الحياة.. وإذا أخذت جانب الاقتصاد والقدرة على مواجهة مصروفات الحياة فإنه لا يستطيع ذلك، فليس له دخل حتى وإن كان له دخل اعتمادًا على والديه، فهذا الجانب أو هذا الدخل غير مضمون لأنه يكون رهين مفاجآت، فهو مقترن برضا والديه عنه وعن زوجته وأولاده، وكأب فلا أوافق على زواج ابنتي بطالب، وأرى أن حالات الطلاق تكثر في هذا الزواج. 

د. عبد العظيم الديب

بالرقص لا تحيا الأمم

فاليوم التقط سمعي حوارًا حول موضوع تبنت منه لأول وهلة أنه حول شأن يخص (فلسطين) فوجدتني منجذبًا إليه، فكل ما هو عن فلسطين لا يجذبني وحدي، ولكن يجذبني وكل الجيل الذي أنا منه - جيل النكبة - ذلك الجيل الذي تفتحت مداركه أيام كان القلب خليًا والعمر نديًا، على مشروع التقسيم، ومعارك 1948 و 1949م، فعاش المأساة في قمتها، ورأى قوافل المتطوعين من أترابه وأقرانه، وعرف كيف أبلوا البلاء الحسن، وكيف استشهد منهم في الميدان من استشهد، وكيف كان ما كان!!

د. عبد العظيم الديب

بر الوالدين

فُطر الإنسان الكريم على أن يعرف لوالديه حقهما من غير أن ينبه أحد أو يُرشده إلى ذلك، فمن الطبيعي جدًّا والمنطقي جدًّا أن يبر الإنسان والديه، وليس في حاجة إلى هذه التوصية لو كان مستقيم الطبع سليم النفس، فإن الإنسان يتميز عن جميع الكائنات التي خلقها الله سبحانه وتعالى بميزة .. ما هي؟ العقل..

د. عبد العظيم الديب

إلى عابد الشيخ وإلى كل الشهداء

بالرغم مما هو كائن، وبالرغم مما هو محيطٌ بنا من همّ، بل امتهان وهوان، في بورما، في البوسنة والهرسك، في ألبانيا، في سيلان ... بل في عمق ديار الإسلام، بالرغم من كل ذلك فمن حقنا أن نرفع رأسنا لحظةً، وأن نرنو إلى (كابول) مهللين مكبرين، حامدين شاكرين، من حقنا أن نستعذب طعم النصر الذي طالما حُرمناه، وأن نستروح أريج مجدٍ نسيناه، سائلين الله سبحانه أن يتم نعمته بجمع الكلمة، ووحدة الصف، وأن ينجح إخوتنا هناك في معركة السلم، كما نجحوا في معركة الجهاد، والفداء، والاستشهاد.

د. عبد العظيم الديب

ألقـــوا هـــذا

وفي حديث أنس - رضي الله تعالى عنه – أنه قال: "إذا كان يوم القيامة، جاءت الملائكة بصحف مختمة، فيقول الله عز وجل: ألقوا هذا، واقبلوا هذا. فتقول الملائكة: وعزتك ما كتبنا إلا ما كان. فيقول الله عز وجل: إن هذا كان لغيري، ولا أقبل اليوم إلا ما كان لي".

د. عبد العظيم الديب

مجلة حوار 

من المعروف أن أمريكا منذ أوشكت الحرب الكونية الثانية على نهايتها، بدأت تعد العدة لا لترث العدو المهزوم فحسب، بل ولترث مستعمرات حلفائها ونفوذهم حيث أدركت أن الحرب أنهكت أوروبا تمامًا غالبها ومغلوبها، ومن المعروف أيضًا أن من أهم الأدوات التي حرثت لها الأرض وهيأتها لقبول الهيمنة الأمريكية هي المؤسسات الثقافية، وأخصها دور الصحف والنشر التي أنشئت بأموال المخابرات الأمريكية، وقد نال الشرق الأوسط بعض ذلك بل أكبر نصيب من ذلك. وإن كان هذا ضربًا من الظن، والترجيح والفراسة من قبل فقد صار الآن حقيقة لم يعد أحد بقادر على الجدال فيها، بعدما أذيع تقرير اللجنة التي شكلها الكونجرس الأمريكي برئاسة السناتور "تشرش" لتقصي نشاط المخابرات الأمريكية، وبالذات في مجال دور النشر والصحف. وقد أدت هذه المؤسسات دورها في تدجين كثير من المثقفين واحتلال كثير من القيم والمفاهيم مما أدى إلى بعثرة الرؤية وتشتيت الخطى، ويذكر الجميع "دور مؤسسة فرانكلين للنشر والتوزيع" الذي كثر الحديث عنه الآن بعد فوات الأوان، ويذكر الجميع أيضًا "مجلة حوار" موضوع حديثنا. هذه المجلة التي أنشأتها المخابرات الأمريكية في بيروت، واستطاعت أن تستقطب مجموعة من الأقلام وأشباه الأقلام، ليس المهم ما يكتب الكاتب، ولكن المهم حجم الشلة التي ينتمي إليها، وإن لم يكن هو ذا شأن، ومع الأجور المرتفعة "جدًّا" والتي كانت تدفع بصفة شبه دورية مما جعل الارتباط بها يشبه الحبل السري يمثل لصاحبه شريان الحياة. لم تخف هذه المرحلة وجهها، ولا يستطيع واحد من "عملائها" أن يقول: إنه خدع فيها، ذلك أنها أعلنت عن هويتها والقيم التي تحمل لها بصراحة لا تحسد عليها، فقد كتبت في عددها الخامس الصادر في يوليو سنة 1963م تحت عنوان "بهذه القيم نؤمن" كتبت تقول:  "إن الحضارة الأوروبية المنبثقة عن التقاليد اليونانية والرومانية والمسيحية ترتبط في وعينا ببعض القيم، وجماع هذه القيم يعطي صورة كاملة عن الإنسان الذي كونته هذه الحضارة. إننا نصدر هذه المجلة ونحن نطمح إلى إثارة هذه المعركة في الضمائر وتحريك القوى الثقافية والروحية في سبيل الدفاع عنها، مستمدين حيويتنا من الماضي والحاضر والجيل الصاعد الذي يحمل رسالة فنية صافية". هذه المجلة التي تعلن أنها "تؤمن بقيم الحضارة الأوروبية المسيحية، وتعمل على إثارة هذه المعركة في الضمائر، وتثبيت هذه القيم في "جيل صاعد يحمل رسالتها الفنية" ثم توقفت بعد أن أدت دورها، وبلغت رسالتها، وأعلن رسميًا عن تبعيتها للمخابرات الأمريكية. هذه قصة "حوار" وهذا تاريخها، أما رئيس تحريرها فقد كوفئ بتعيينه أستاذًا في إحدى الجامعات الأمريكية. أما مراسلها في القاهرة فقد عُيِّن محررًا في مجلة الطليعة "اليسارية" التي كانت تصدر عن مؤسسة الأهرام في ذلك الوقت. من مدرسة "حوار" ومن العجيب أن بعض هؤلاء الأذكياء يستغلون آفة النسيان عند القراء، وانشغال من لم ينس عن تتبع كلامهم والتعقيب عليهم، فيدعون عنتريات لا أصل لها، ويدحرجون أكاذيب وافتراءات ما أنزل الله بها من سلطان، وبعض هذه الافتراءات مما يجرمه القانون، ويدخل تحت إثارة الفتنة الطائفية من مثل قول المراسل السابق لمجلة حوار في بعض مقالاته: "واشتد الصراع حتى قتل بطرس غالي" أو نحو هذه العبارة مما يوحي بأن مقتل بطرس غالي كان على "الهوية" وهو يعلم وكل من له أدنى إلمام بالتاريخ يعلم لماذا قتل بطرس غالي "ولا نريد أن ننكأ الجراح" فلم يكن بطرس غالي وحده هدفًا للاغتيال، وإنما كان معه أكثر من عشرة نجحت محاولات الاغتيال في بعضهم، وفشلت في البعض الآخر. وأما قوله "إن الشيخ الغزالي قاد مظاهرة إلى مبنى الأهرام القديم من أجل عمل "فني" لصلاح جاهين، فهذا أيضًا محض اختلاق، والذين عاشوا هذه الأيام يعرفون كيف أساء صلاح جاهين إلى الشيخ الغزالي وأسف في سخريته مما أغضب الجماهير وجعلها تخرج في مظاهرة عقب صلاة الجمعة لم يسمح لها بالسير إلا بضعة أمتار، ولم يكن للمتظاهرين علاقة بالشيخ الغزالي، بل أن يكونوا تحت قيادته. ولم تكن المظاهرة اتنصافًا للشيخ الغزالي من إسفاف صلاح جاهين فحسب، حين رسم الشيخ الغزالي يركب حمارًا ووجهه إلى خلف على هيئة من كان يطاف بهم ؟؟؟؟؟؟؟ من اللصوص والفسقة والمجرمين، كما عبث في رسمه بالعمامة (رمز الإسلام وعلماء الدين) وكتب تحت الصورة (أبو زيد الغزالي سلامة). هذا هو العمل الفني!! .. انظر إلى التزييف !! المصلون في الأزهر بقيادة الشيخ الغزالي يتظاهرون ضد عمل فني (بالبشاعة تخلف الإسلام والمسلمين وعلمائهم). لم يقل لنا لماذا سخر صلاح جاهين من الشيخ الغزالي!! لم يقل لنا: إن الشيخ الغزالي تجرأ وناقش (الزعيم) في لجنة التحضير للاتحاد القومي، وطالب بالإصلاح، ورعاية القيم والمبادئ. لقد عارض الشيخ الغزالي (الرئيس) في عنفوان سطوته، وقمع نظامه الشمولي، فسخر منه، واستهزأ به – متحلقًا النظام – صلاح جاهين .. هذه هي الحقيقة!! إن الجماهير التي غضبت للشيخ الغزالي وثارت ضد صلاح جاهين، رأت أن الشيخ الغزالي هو صوت الحق الذي ارتفع في وجه الطغيان.. هذا هو الشيخ الغزالي، وهذا هو (العمل الفني)، وهذه هي المظاهرة التي كانت تعبيرًا في واقع الأمر عن رفضها ومعارضتها للنظام الشمولي الذي يشيعه (كُتَّاب السلطة) الآن نقدًا وتجريحًا، على حين قاومه الشيخ الغزالي وحده، في عنفوانه، ثم كف عنه بعد رحيله، وانشغل بواقع آخر ومشكلات جديدة. ولكن مراسل مجلة المخابرات الأمريكية مرت على الكتابة بأسلوب الغمز والحَقْن تحت الجلد على طريقة المبشرين والمستشرقين. فانظر: جملة واحدة من كلامه تحتاج في تصويبها إلى نحو صفحة، مع التزام الإيجاز الكامل. أما الدعوة إلى المحاضرة في الجامعات الأمريكية فليست شرفًا يُباهى به، وكيف لا تدعو مراسل مجلة مخابراتها، إما عدم الحصول على التأشيرة فهذا أيضًا غير مستغرب لأمور يفهما كل لبيب. إن أمتنا الآن في حاجة إلى كل كلمة صدق، تجمع ولا تفرق، تصون ولا تبدد، فلا داعي لهذا الغمز واللمز لعلماء الأمة ورموز دينها. والله المستعان وهو الهادي إلى الصواب. 

د. عبد العظيم الديب

يوميات الراية “أعارضك ولكني أحبك”

كل من يكتبون أو جلهم يصرخون .. لا أحد يهمس .. ولا أحد يبدو مبتسمًا أو منبسطًا في كتابته أو حتى في قوله غير المكتوب. لا تقرأ إلا عراكًا ولا تقرأ إلا صراخًا وهجومًا. هذا هو الأسلوب السائد بين كتّاب العربية، أسلوب محاولة فرض الآراء لا عرضها.

د. عبد العظيم الديب

إذن .. فهل بالدبكة تحيا الأمم؟!!

يفزعني - ويفزع كل ذي لب – أن يتحول الحوار إلى تهاتر، وإبداء الرأي إلى فرصة للمغالطة والتطاول، واستمداد الحجية من الفرقعات اللفظية، واستدرارًا للعواطف بقلب المدلولات وتحوير المفاهيم، تصورًا إلى القارئ يمكن أن يتمتع ببلاهة وغفلة تجعلانه يبتلع طعم الاستغفال والإيهام.

د. عبد العظيم الديب