مقالات تربوية

بالرقص لا تحيا الأمم

يوميات الراية

لا أتعمد الاستماع ولا الالتفات لوسائل الإعلام، لأسباب كثيرة، ليس هذا مجال تفصيلها. ومع ذلك فكثيرًا ما يفرض علينا الأمر فرضًا، ويلقى إلينا إلقاءً.

فاليوم التقط سمعي حوارًا حول موضوع تبنت منه لأول وهلة أنه حول شأن يخص (فلسطين) فوجدتني منجذبًا إليه، فكل ما هو عن فلسطين لا يجذبني وحدي، ولكن يجذبني وكل الجيل الذي أنا منه جيل النكبة ذلك الجيل الذي تفتحت مداركه أيام كان القلب خليًا والعمر نديًا، على مشروع التقسيم، ومعارك 1948 و 1949م، فعاش المأساة في قمتها، ورأى قوافل المتطوعين من أترابه وأقرانه، وعرف كيف أبلوا البلاء الحسن، وكيف استشهد منهم في الميدان من استشهد، وكيف كان ما كان!!

تابعت الحوار فإذا به مع بعض المشتغلين بالفنون، وبالذات ما يسمونه (الفولكلور) وجاءني صوت المتحدث مملوءًا بالحماس عن (الجهاد) في حماية (الفولكلور) الفلسطيني وعن صيانة هذا (الفولكلور) من عبث إسرائيل، وكيف أن إسرائيل تحاول سرقته، وكيف أنها اشتركت في مهرجانات دولية، وادعت بعض هذه الألوان (الفولكلورية) الفلسطينية لنفسها، وكيف يجاهد هذا المتحدث هو ومن معه في الدفاع عن (فولكلور) فلسطين.

وإلى هنا وكان الأمر محتملاً، على وجه من الوجوه، وإن كانت مسألة (الفولكلور) هذه كلها فيها نظر. ولكن الذي أفزعني وأصابني بالغثيان سؤال تقدم به مقدم البرنامج، قال (الأستاذ الفنان): وماذا عن الراقصات الفلسطينيات؟ وما يتغني به مع الرقص؟

وهنا حمى الحوار، وبنفس الألفاظ الفخمة، والعبارات الضخمة، والصوت المتحمس، حول مميزات (الرقص الفلسطيني) وخصائصه التي تميزه عن الرقص السوري، واللبناني .. إلخ إلى آخر ما قيل..

أيها السادة رجال الفن والفنون، كونوا كيف شئتم، وأين شئتم، ولكن نرجوكم أن تحافظوا على تحديد المفاهيم، فليبق الفن فنًّا كما هو، وليكن الرأي فيه ما يكون، لكن الجهاد يجب أن يبقى جهادًا في مكانه ومكانته، وحذار من اضطراب المفاهيم واختلال القيم، واختلاط الأوراق، فذاك مزلق خطير، ليبق الفن فنًّا، وليبق الجهاد جهادًا.

وعلى الفرض أن يجمع اللسان بصاحبه فيجعل الفن (جهادًا) فما أظن أن من اللائق أن يصل الأمر إلى حد (الرقص) وعده في معرض الجهاد.

يا قومنا إن في هذا الخط ازراء بالجهاد، وتهوينًا لشأنه، وإهانة للمجاهدين وتحقيرًا لهم، إن في الخنادق شباب في عمر الزهر، عافوا كل متع هذه الحياة يأكلون من حشائش الأرض يحتضنون البندقية ويأنسون إلى القنبلة، ولا تعرف آذانهم إلا صوت الرصاص، ودوي المدافع وأنين الجرحى وحشرجة الشهداء، حملوا أرواحهم على أكفهم، وعاهدوا الله أن يرووا هذه الأرض بدمائهم، حتى تورق عزًّا وتنبت مجدًّا، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.

فحذار أيها (الفنانون) أن يسمع هؤلاء الأبطال الذين يحرسون كرامتنا إن كان قد بقي لنا كرامة – ويدفعون عن شرفنا، حذار أن يسمع هؤلاء (المجاهدون) أننا – وقد قعدنا من خلفهم – نسمي (الرقص) – أو دراسة الرقص أو حماية الرقص – جهادًا.

من فضلكم لابد من تحديد المفاهيم.. وثقوا أن بالرقص لا تحيا الأمم.

د.عبد العظيم الديب