مقالات سياسية

خطاب مفتوح إلى الرئيس عُمر البشير 

بسم الله الرحمن الرحيم 

 

الدكتور عبد العظيم محمود الديب 

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وبعد: 

 

سيادة الرئيس،  

هذه الرسالة قدّمتُها مكتوبة منذ نحو عام ونصف وبالتحديد في 23/12/2003م إلى أخٍ كريم وزير من أبرز وزرائكم ، ثم تحدثت بمضمونها شفهياً إلى عالمٍ أديبٍ أريبٍ ، وهو من كبار مستشاريك، ولما لم أجد لها صدى أحببت أن أتقدم بها إلى فخامتكم، إبراءً للذمة، وإعذاراً إلى الله، وأداء لواجب النصح. ( لم أغير فيها شيئا إلا ألفاظ الخطاب). 

 

سيادة الرئيس، 

  • قلوبنا معكم ودعاؤنا لكم، فقد رمتكم الدنيا –عربا وعجما- عن قوسٍ واحدة، وتآمر عليكم الشقيق، وخانكم الصديق، وأحاط بكم العدو، والتسابق يجري أمامكم على الانصياع والانبطاح. فماذا أنتم فاعلون!! 

 

  • لقد سقط السودان بالإسلام منذ قريب في عهد النميري، وصارت الدعوة إلى الحكم بالإسلام مضرب المثل للفوضى والانهيار والخراب، حتى صار (الآخرون) يقولون لنا: أيَّ إسلام تريدون؟ إسلام الخميني أم إسلام النميري؟ فماذا يجري الآن في السودان؟ 

 

لقد بدأ الناس يقولون: لماذا كان الدبّابون؟ أين عرس الشهيد؟ لماذا أُزهقت هذه الأرواح الطاهرة؟ ولم كان كل هذا.. و .. و .. 

 

+أنا أعلم أن رجال السلطة رجال ثورة الإنقاذ لم يَتَلَبَّسوا من دنيا الناس هذه بشيء، ولم يرتعوا في مال الأمة كما رتع مَنْ قبلهم من الحكام، وأعلم أن بيوتهم هي هي لم تتغير، وأن معيشتهم هي هي لم تتبدّل !!! 

فلماذا إذا الاستمساك بالسلطة؟  

لقد جاءت ثورة الإنقاذ تحمل حُلْما ورديًّا وأملاً غاليا كانت الأمة كلها تسعى إليه، وترجو أن تحققه وتعيش في ظله.  

 

جاءت ثورة الإنقاذ تدعو لتطبيق المشروع الإسلامي، فألقت الأمة إليها قيادها، وأعطتها أغلى ما تملك: فلذات أكبادها، وبدا للمسلمين في الداخل والخارج أن الفجر سينبثق من السودان، ورُحنا نستقبل البشائر من أخبار السودان نتنسّمها كل يوم، فكانت نجاحات وإنجازات سعدنا بها، وباهَيْنا بها، وبدا أن الفجر قريب. 

 

 

+ولكن كما قال حافظ إبراهيم : 

لا تلم كفي إذا السيف نبا :: صحّ مني العزم لكن الدهر أبىَ 

 

لقد رأينا زعماء السودان المخضرمين (المهدي والمرغني) ومعهم كل ألوان الطيف السياسي في معسكر جرنج ضد ثورة الإنقاذ، ورأينا دولا عربية تدعم جَرنْج بالمال والسلاح، وكان ما كان، وأُحيط بكم وخُنق مشروعكم. 

فلماذا أنتم باقون ؟؟ 

 

+كيف تكونون اليوم مع جرنج ويُستقبل بالورود والأحضان، وتَصْطَفُّون معه في (مواجهة المعارضة الشمالية) وتأخذون دورها بجوار جرنج ؟؟ 

ألستم من وضع الترابي في السجن، لأنه وقّع مذكرة تفاهم مع جرنج ؟ 

كيف أصبح ما كان يُعدّ خيانةً عظمى إنجازاً وانتصاراً ؟ ثم ما معنى تقاسم السلطة؟ 

ما معنى تقاسم الثروة؟ 

ما معنى تقرير المصير بعد ست سنوات؟ 

لماذا لا يكون الآن؟ 

كيف تتحمل ثورة الإنقاذ أن تكون هي القابلة ) التي تستقبل دولة الجنوب في حجرها؟  

 

+لست متشائما، ولكن الأيام علمتنا الكثير، إن معنى هذا الاتفاق، أن تنشأ دولةٌ في الجنوب على نفقة وبجهود الشمال، بمعنى أنه في ظرف السنوات الست يتم الآتي: 

  • شبكة طرق واتصالات على أحدث ما يمكن بالجنوب. 
  • تشييد الجامعات والمدارس على أحدث ما يمكن بالجنوب. 
  • إقامة مباني الوزارات والإدارات على أحدث ما يمكن بالجنوب. 
  • إعداد الكوادر البشرية والفنية على أحدث ما يمكن بالجنوب. 

ثم يأتي استفتاء تقرير المصير، فتكون دولة الجنوب المستقلة جاهزة بكل مؤسساتها بجهود أبناء الشمال.  

 

* * * 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من موقع حبي وإخلاصي لثورة الإنقاذ وتقديري لكم شخصيا أتمنى الآتي: 

+أن تُعدّ وثيقة موجزة تصاغ صياغة دقيقة محكمة تتضمن بنودًا مفصلة هي: 

1-ملامح مشروع ثورة الإنقاذ. 

2-ماذا تم إنجازه من هذا المشروع. 

3-العقبات والمعوّقات التي جعلتكم تصلون إلى طريق مسدود (العقبات من الداخل والخارج). 

 

  • يتقدم رئيس ثورة الإنقاذ إلى الشعب، بل إلى الدنيا معلناً أنه ورفاقه من اليوم سيكونون حكومة تصريف أمور فقط إلى أن يتم الاتفاق على تكوين لجنة تشرف على إجراء انتخابات حرة نزيهة لاختيار جمعية تأسيسية وحكومة منتخبة لاستلام السلطة على أن تُفتح أبواب السودان لكل المعارضين في الخارج، للعودة بكل ترحاب، وتسلّم السلطة طواعية، وبذلك تنجو ثورة الإنقاذ من السقوط، وتحمي اسمَ الإسلام الذي حكمت تحت ظله، وأسلس الناس قيادهم لها من أجله. 

 

  • سيدي الرئيس، أنت تعلم ما حاوله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وظل التاريخ وسيظل يذكره له، لقد بلغ من تقدير الناس له أن صدقوا زعم الزاعمين بأنه مات مسموماً، وذلك لتعلقهم به وحُّـِّبهم له، فلتكن ثورة الإنقاذ كذلك!! فَلتقُل : هذا ما كنا نريده كلّه، وهذا ما استطعنا تنفيذه، وهؤلاء هم الذين وقفوا في طـريقنا، وحالوا بيننا. وبذلك يظل الناس يذكرونكم أبد الدهر. أما أن تظلوا في السفينة وهي تغرق على أمل أن تهب ريح من هنا أوهناك، فسيسجل عليكم التاريخ أنكم غيّرتم، وبدّلتم، وتنازلتم، وبعْتُم في عصرٍ الكلّ فيه يبيع، والكل فيه يتسابق على الانبطاح والالتحاق. 

 

  • سيدي الرئيس، إن لم تأخذ بقولنا، وتسمع لنصحنا، فأنشدك الله أن تضع عن كاهلك قضية الحكم بالإسلام، ويكفيك ما أنت فيه!! إن تطبيق الإسلام الذي نريده – وأنت بهذا أعرف مني – هو أن نقدّم للدنيا الدولة النموذج والمثال، الدولة التي ينظر إليها الناس في العالم كله، ويقولون: متى يكون لنا مثل هذا. 

 

وأنت – سيادة الرئيس – توافقني على أن السودان في وسط هذه الأعاصير غير قادر على صنع هذا . 

 

  • سيدي الرئيس، قد تقولون : إنكم مؤيدون من جبهة عريضة تمثل عامة الشعب، فإن كان الأمر كذلك، فهذا أدعى لأن تتركوا السلطة، وتحتكموا مع الآخرين إلى صندوق الانتخاب. 

وعند ما  يُعيدكم الشعب ببطاقة الانتخاب ، ستنحني لكم الرؤوس ، وتكف عنكم الألسن ، وتملكون من القوة ما يجعل للمسألة وجها آخر. 

 

  • سيدي الرئيس، كلمة أخيرة، أرجو ألا يضيق بها صدرك: إن التاريخ لا يرحم، والتاريخ – أيضا – لا يقف كثيرا عند التفاصيل، فماذا سيقول التاريخ عند ما ينظر إلى خريطة السودان الواحد الموحد سنة 1989م، والسودان الممزق المقسم الأرض الموزّع السلطة والثروة. 

 

وأخيرا : 

سيدي الرئيس، هذه كلمات من ذَوْب قلبي كتبتها، ومن عصارة نفسي سكبتها لا أبغي بها إلا وجه الله، ويعلم الله أني أقدر شخصك الكريم، وأعرف لك حقك وقدرك، ولولا حبي لك وخوفي على المنهج الذي تمثله، والراية التي تحملها ما شغلني أمرك، وما عنّيت نفسي بالكتابة إليك. 

 

أسأل الله أن يبصرنا طريقنا وأن يهدينا رشدنا، إنه نعم المولى ونعم النصير. 

 

***** 

 

الدكتور عبد العظيم محمود الديب 

الدوحه- قطر 

مايو 2005 

د.عبد العظيم الديب