مقالات تاريخية

خيبر .. خيبر

غداة اليوم الحزين أشأم يوم في تاريخ المسلمين  ولا أقول العرب  يوم الحادي عشر من يونيو سنة 1967م، اليوم السادس من حرب الأيام الستة، غداة هذه اليوم البائس، وقفت جولدا مائير (رئيسة وزراء العدو) على حدود الأردن، بعد أن هنأت قواد جيشها وجنوده، بهذا الاجتياح المريع للقوى العربية وللأرض العربية، ثم تطلعت هناك إلى الجنوب وأطالت التطلع، واستغرقت في تأمل عميق، وسبحت مع آمالها وخيالاتها، ولما طال هذا الاستغراق وذلك التأمل شعرت بالتساؤل في عيون من حولها من المرافقين والمساعدين، فأجابتهم بروح المنتصر وعزيمة الواثق: 
إني أتطلع إلى ثَرى أجدادي في خيبر“. 

كذا قالت جولد مائير غداة هذا اليوم الحزين، قالت هذا وهي تتطلع إلى (يثرب)، إلى مدينة رسول الله – صلى الله عليه وسلم  فهي جزء من خريطة إسرائيل المرسومة على جدار الكنيست، والتي وزعوها في نيويورك أكثر من مرة. 

وعلى حين قالت هذا جولد مائير كان (موشى ديان) وزير الحرب يومها، وهو يعلق على دخول جيشه (القدس) يقول: “الآن أصبح الطريق مفتوحًا أمامنا إلى المدينة ومكة”، ويومها أذيع هذا وشاع وانتشر في كل مكان في العالم، ربما إلا في صحافتنا ووسائل إعلامنا، لأن هذا كلام يؤلم ويثير الحفيظة ويبلبل الخواطر، وهم يريدون للناس الهدوء والسعادة، حتى يستمتعوا بالسهرات والمسرحيات والمسلسلات في أمن وسكون، من غير تكدير الخواطر، وإهاجة المخاوف وإثارة النكد. 

يومها لم يتساءل أحد لماذا (خيبر) بالذات؟ .. يومها لم يتساءل أحد ما علاقة هذه المرأة العصرية التي ولدت وعاشت في أوروبا بخيبر؟ من الذي ذكرها بخيبر وعلمها تاريخ أجدادها في خيبر؟ من الذي وضع خيبر في بؤرة الشعور؟.. يومها لم يتساءل أحد عن هذا وعن سر هذا. 

يومها لم يذكرنا أحد بأن خيبر تمثل لهؤلاء اليهود نهاية النهاية، وقاصمة الهزائم التي قضت على آخر وكر لهم في جزيرة العرب. كانت خيبر آخر فصل في مأساة الغدر ومسلسل الخيانة الذي اصطلى به المسلمون مع اليهود، منذ جلاء بني قينقاع وبني النضير، ثم غزو بين قريظة، ثم فتح خيبر، ثم الجلاء الأخير من خيبر بعد المطاولة والملاينة والمهادنة من جانب المسلمين، ولكنهم أبدًا لم ينسوا ما فطروا عليه وجبلوا عليه من غدر وخسة وخيانة، فبعد الجولات الأولى من الصراع والغدر والخيانة واستفز أهل خيبر المسلمين مطمئنين إلى حصونهم المنيعة2 ووفرة محاصيلهم وزروعهم وثمارهم، فحاصرهم المسلمون وفتحوا ديارهم وأحاطوا بهم، ولكنهم عادوا يظهرون التوبة والندم، ويعتذرون عما كان منهم من غدر وخيانة، وتحريش للأعراب، وإثارة لأعداء الإسلام والمسلمين. 

ومع تكرار ذلك منهم إلا أن الرسول  صلى الله عليه وسلم  قبل منهم اعتذارهم، وعاهدهم على أن يبقوا في مكانهم في خيبر، في زروعهم وأرضهم، على أن يفلحوها ويزرعوها للمسلمين مقابل حصة مما يخرج من الأرض. 

ولأن الغدر والشر قد تكرر منهم فقد شرط عليهم المسلمون في العهد الذي عاهدوهم أن للمسلمين أن يخرجوهم متى شاءوا. 

وما هي إلا سنوات حتى غلب عليهم طبعهم وغلبتهم شقوتهم، فبدأت دسائسهم وعادوا لغدرهم وخيانتهم، فأجلاهم المسلمون وأخرجوهم من ديارهم من خيبر، وطهروا جزيرة العرب من آخر يهودي كان بها، تحقيقًا لوعد رسول الله  صلى الله عليه وسلم – : “لا يجتمع دينان في جزيرة العرب“. 

هذه خيبر في التاريخ، أما خيبر عند اليهود، عند جولد مائير وعند من علموها، فهي (الثأر) من المسلمين.. 

على هذا ربَّى اليهود أبناءهم!! على أن لهم ثأرًا عند المسلمين، وقد أفلحوا في غرس هذا في قلوب أبنائهم، حتى باتت عقيدة من العقائد، يترك اليهودي الأمريكي (مثلاً) بلاده وما هو فيه من رغد في العيش ورخاء ونعيم، أملاً في أن يسهم في تحقيق وعد (التوراة) والثأر للأجداد في خيبر. 

فعلام ربينا نحن أبناءنا؟؟ 

على أي شيء يقاتلون؟؟ 

لقد مضت أربعون عامًا ونحن ندخل لقضيتنا من مداخل مختلفة، ولا يماري أحد أنها كانت جلها للأسف مسدودة، ولنذكر يوم أن كنا نقول: “إسرائيل المزعومة” فماذا نقول الآن؟؟ وبماذا نطلب؟؟ 

جيش محمد سيعود: 

وفي هذه الظلمات الحالكة لم يفقد المؤمنون إيمانهم، لم يفقد المؤمنون إيمانهم بنصر الله، وبتحقق وعد الله، وكان (الآخرون) يقولون: الأمل صار بعيدًا، لقد امتلكت إسرائيل القنبلة النووية!!.. وكان المؤمنون يقولون: وعدنا الله بالنصر ووعد الله لن يخلف!!.. 

وفجأة وعلى غير توقع انبثق النور، تفجر شلال الضياء، تفتحت آفاق الأمل، أنبتت الأرض بطولة، أورقت الأرض رجولة، ظهر جيل النصر  إن شاء الله  الجيل الذي عرف الطريق، الجيل الذي عرف السلاح، عرف السلاح الذي يستنزل النصر من السماء، وما النصر إلا من عند الله. من ألْهم هذا الجيل هذا الهتاف “خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سيعود“؟ من علَّم هذا الجيل ذلك التاريخ؟؟ 

هذا الجيل من مواليد العام الحزين 1967م فكيف امتلأ بالأمل؟ كيف امتلأ بالإيمان؟ كيف استعصى على المسخ والتشويه؟ كيف استعصى على التمييع والتمويه؟؟ كيف لم تدمره وسائل التنزييف والتدمير؟؟ كيف عرف المنبع؟ كيف ارتوى من الأصول؟ كيف وصل إلى الجذور؟ كلكم رأيتهم كيف استقبل الرصاص بالحجارة، بل كيف استقبل الرصاص بصدره، إنه جيل النصر، جيل الشهادة، إنه جيش محمد  صلى الله عليه وسلم  الذي كان ينادي “هبي ريح الجنة هبي”. 

إنه الجيل الذي عرف لغة العدو، عرف خيبر، إن كانوا يربون أبناءهم على أن لهم ثأرًا في خيبر، فقد عرف أبناؤنا  بإلهام من الله وحده  أن خيبر هي نهاية الغدر والغادرين، وهي النهاية للخيانة والخائنين. 

د.عبد العظيم الديب