مقالات تربوية

إلى عابد الشيخ وإلى كل الشهداء

بالرغم مما هو كائن، وبالرغم مما هو محيطٌ بنا من همّ، بل امتهان وهوان، في بورما، في البوسنة والهرسك، في ألبانيا، في سيلان … بل في عمق ديار الإسلام، بالرغم من كل ذلك فمن حقنا أن نرفع رأسنا لحظةً، وأن نرنو إلى (كابول) مهللين مكبرين، حامدين شاكرين، من حقنا أن نستعذب طعم النصر الذي طالما حُرمناه، وأن نستروح أريج مجدٍ نسيناه، سائلين الله سبحانه أن يتم نعمته بجمع الكلمة، ووحدة الصف، وأن ينجح إخوتنا هناك في معركة السلم، كما نجحوا في معركة الجهاد، والفداء، والاستشهاد.

ومن حق شهدائنا المليون أن نذكرهم اليوم، ونحن نرفع راية النصر، فالواقع أنها ما أورقت وارتفعت إلا بالدماء الطاهرة التي روّتها.

رحم الله شهدائنا.

رحم الله عابد الشيخ.. ذلك الشهيد الذي كتب إلينا في آخر رسالة له في الميدان قبل أن يستشهد بأيام، قائلاً بالحرف الواحد: “… الساحة تبشر بالخير، ولن يحس بآثار هذه البشارة إلا من يخرج نفسه من دائرة الماديات، ويدرك بيقين أن الله عز وجل وحده هو المتصرف بأمر هذا الكون، فينفذ أمر الله، ويتبع قوانينه وشرعه، وإن وقف العالم كله بوجهه يريد أن يثنيه عن ذلك …”.

هذه من كلمات الشهيد في آخر رسالة، وحقًّا لقد قال وصدق، قال وفعل، في عصرٍ كثر فيه القائلون وقلَّ العاملون. نعم لقد خرج (عابد) من دائرة الماديات، على قوة جاذبيتها، كان شابًا في عنفوان الشباب، طموحًا منفتحًا للحياة، صاحب مواهب خارقة، تؤهله لتحقيق كل ما يصبو إليه، ذا قدرات تفتح له مغاليق الأبواب، كان بحق كفاءة نادرة، بل جملة كفاءات.

كان نادرة في الذكاء والقدرات الدراسية، كان نادرًا في خلقه وصفاته، أحبه كل من عرفه من كبير وصغير، كان الشباب ينجذبون إليه ويلتفون حوله في جدهم ولهوهم، وحينما كان في عملٍ كان النجاح وكان التوفيق.

لانت له الدنيا ففتحت أمامه الآفاق، الدراسات العليا (ماجستير – دكتوراه)، نال الوظيفة، ووفق للزوجة، ورزق الولد، فتحت له الحياة ذراعيها تستقبله، آملة واعدة باسمه.

ولكن (أبا مصعب) لم ينخدع كما انخدعت أمةٌ بأسرها، فانخلع من دنيانا بقوة لا يملكها إلا بهبة من الله. خرج أبو مصعب من دائرة الماديات فانتصر على جاذبية الطين، وشعر بحق أن كل ما فوق التراب تراب. اتجه إلى الله صادقًا مخلصًا يطلب الشهادة، فهيأها له، وهبه إياها.

كان مما قال في رسالته الأخيرة ذاتها: ” … إن حرقة القلب والروح تزداد يومًا بعد يوم، وأصبحتُ على يقين بأن المسلم لن يجد الراحة، ولا الاستقرار، إلا حينما يتغمده الله برحمته، ويدخل الجنة…”.

هنيئًا لك أبا مصعب !! كان هذا أملك، وعلم الله منك صدق النية، فاستجاب لك، فاهنأ بها شهادة صادقة، تحيا بها في علِّين {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}{آل عمران:169} {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}{البقرة:154} .

أما نحن الذين قعدنا من ورائكم أيها المجاهدون، أيها الشهداء، فعسى الله أن يغفر لنا عجزنا وقعودنا، ويتقبل منا دعاءنا واستغفارنا وعذرنا، إنه غفور رحيم..

عبد العظيم محمود الديب

واحد من القاعدين.

د.عبد العظيم الديب