مقالات تاريخية

أيها الناصر

ماذا فعلت بأخيك؟ بل ماذا فعلت بنفسك؟!

وإلى التاريخ نعود، نستقرئ آياته، ونتملى عبره وعظاته، ورحم الله ابن خلدون حين قال: “الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء“.

كان لسقوط بغداد دوي هائل في العالم كله، وأدرك كل من يدرك، أن الجيش الذي سكر بنشوة النصر على بغداد لا يمكن أن يتوقف، وصار واضحًا لكل ذي عينين أن التتار لابد زاحفون على الشام، وكان الشام موزعًا – بكل أسف – بين عدة أمراء، من البيت الأيوبي، توزعوه تركة، بعد موت البطل صلاح الدين.

وكان أقوى هؤلاء الناصر يوسف سلطان (حلب) و(دمشق) وكأنه كان أكثرهم حديثًا عن (الصمود) ولذلك استحق لقب الناصر.

وتحرك الجيش (الذي لا يقهر) – أعني جيش التتار – تحرك من بغداد متعاونًا مع الصليبيين الذين كانت لهم بعض أمارات باقية في الشام، ومع مملكة أرمينية الصغرى وهي مملكة صليبية متعصبة تقع في شمال الشام تدخل في حدود تركيا الآن – وكان الملك الأشرف بن الملك الغازي هو ملك (ميا فارقين) – بفتح الميم بعدها ياء مشددة محدودة ثم فاء وراء مكسونة – أكبر مدينة بديار بكر شمال (ماردين) و (الرها)، وأدرك أنه في طريق الغزو لا محالة، فلا يمكن أن يتجه التتار إلى الشام، ويتركوا جناحهم مكشوفًا، فعلم أنه سيكون أول هدف من أهدافهم.

وكان استنجاد:

أخذ الملك الأشرف حذره، وأخذ يستعد للقاء (التتار) وكان يعلم قوتهم وعنفوانهم، ولكنه أدرك أن الوحدة والتعاون بين الأشقاء يصنعان الكثير، وتمنى لو استطاع أن يجمع كلمة الأمراء الأيوبين جميعًا، إذا لاستطاعوا أن يثأروا لبغداد ويحطموا (أسورة الجيش الذي لا يقهر)، ويكسروا تلك (الذراع الطويلة)، و بدأ العمل على تحقيق أمله.

فكان أن اختار أقوى أمراء البيت الأيوبي، وأكثرهم قدرة واقتدارًا الذي اتخذ لنفسه لقب (الناصر) – أعني الناصر يوسف – صاحب حلب ودمشق، وكان في تقدير الملك الأشرف أن القضية واحدة وأن الدفاع عن (ميا فارقين) هو في نفسه الوقت دفاع عن حلب وعن دمشق.

وكان تخاذل، بل خيانة:

يقول ابن العبري أثناء تاريخه لحوادث سنة 656هـ: وفيها توجه الملك الأشرف بن الملك الغازي صاحب (ميا فارقين) إلى الملك الناصر صاحب حلب، يطلب منه النجدة ليمنع (التتار) من الدخول إلى الشام، فاستخف برأيه ولم يسمع مشورته، بل سوفه بكلام وسرحه من عنده بالأمان“.

سبحان الله ! دائمًا سوفه بكلام!!

ولم يقف الناصر عند هذا الحد من التخاذل، بل أظهر الضعف والخنوع والخيانة، إذ نجده يهادن (التتار)، فيرسل ابنه (العزيز) إلى هولاكو، يحمل إليه الهدايا والتحف وطبعًا يعرض عليه معاهدة الصداقة والتحالف العسكري – بل ويطلب إليه أن يعينه بقوات تساعده ضد المسلمين، وتعينه على الاستيلاء على مصر.

فكان حصار:

لم يجد الملك الأشرف صاحب (ميا فارقين) بدًّا من أن يتحمل المجابهة وحده، بعد أن رأى تخاذل (أقوى أمراء الشام) ، والذي كان مرجوًا (للصمود) ورأى خيانته، فقرر أن يلقي قدره ومصيره صابرًا محتسبًا خالصًا مخلصًا، مفوضًا لله أمره.

وتقدم التتار، وقد وزع هولاكو جيشه إلى عدة جيوش، كان أحدها بقيادة ابنه (يشموت) ومعه اثنان من كبار القادة، وكان من نصيب هذا الجيش غزو (ميا فارقين) وفتحها.

توجه الجيش التتري بخيلائه وكبريائه واقترب من المدينة، وأرسلوا رسلهم تحمل (الإنذار) إلى الملك الأشرف يدعونه إلى الانقياد والطاعة، وإلقاء السلاح، والخروج من الحصون ويهددونه بأنه لا فائدة من المقاومة، فالتتار لا يغلبون.

وكان إباء، استشاط الملك الأشرف غضبًا لهذه الوقاحة في اللهجة، ولهذه الغطرسة، وهذا الصلف في الإنذار، ومع إدراكه للفرق الهائل بين القوتين، وأنه بأي مقياس لن يستطيع أن ينتصر عليهم، مع ذلك كله قرر أن يقاتل وأن القتال حتى الموت أشرف من الحياة مع الاستسلام.

فأرسل إليهم برفض الإنذار، وقال بهم: عبتًا تحاولون، وإنه لن ينخدع بمعسول القول، ولا بسخاء الوعود، بل سيمتشق الحسام ضدهم، ما دام على قيد الحياة.

وتوجه الملك الأشرف إلى جيشه وإلى شعبه، مقويًا من عزيمتهم، وكان مما قال: “إنني لن أمنع الذهب والفضة، والغلات التي توجد في المخازن، بل سأوثر بها المحتاجين، وما أنا بينكم إلا كواحد منكم، وصاح: الله أكبر، هبي ريح الجنة هبيفضجت المدينة بالتهليل والتكبير، وتعاهدوا على الاستشهاد جميعًا، ليرووا الأرض بدمائهم، لتنبت بطولة، وتنجب رجولة، وتثمر نصرًا.

وأحكم التتار حصار (ميا فارقين) واشتركت معهم فرق أرمينية مسيحية، وقد استمر الحصار مدة عامين كاملين..

عامان كاملان!!

عامان كاملان والمدينة محاصرة، ولا أمل لها في الخلاص، لا تنظر إلى ما وراء الأسوار، لكنها تنظر إلى ما وراء هذه الحياة كلها، تنظر إلى ما وعد الله الشهداء، وقاتلت المدينة الصغيرة قتالاً سجله التاريخ (والتاريخ لا يرحم).

قالوا: كان في الجيش (ميا فارقين) فارسان بارعان، دوخا جيش التتار، وأزعجا قادته، كانا ينتهزان الفرصة ليتسللا من سور المدينة، ويفعلا بجيش التتار الأفاعيل، ويعودان من حيث خرجا. ونص عبارة المؤرخين: “دوخا قادة المغول، وأوقعاهم في الحيرة والدهشة، إذ كانت بسالتهما وإحكامهما الرماية سببًا في إنزال أفدح الخسائر بجيش التتار“.

سبحان الله !! رجلان دوخا الجيش الذي لا يقهر، أي شرف هذا سجله التاريخ؟ وتحكيه الأجيال؟ ثم عند الله الجزاء الأوفى!!

وكان نصر:

بعد عامين كاملين لم يستسلم أهل (ميا فارقين) أبدًا، لم يرفعوا الراية البيضاء، أبدًا لم يطلبوا التفاوض والخروج من الحصار، ولكن نفد الزاد على طول ما اقتصدوا فيه، ونفد الماء على دقة تدبيرهم فيه، ونفد الدواء على شدة حاجتهم إليه، فبدأ الجوع والعطش، وبدأ المرض ثم الموت!!

نعم الموت!!

ماتوا وقوفًا!! لم يركعوا ولم يذلوا ولم يخنعوا، ولو رأيتهم يوم ماتوا لرأيت وجوهًا مشرقة، وهامات مضيئة، وأسارير منيرة، وشفاه مبتسمة، عليها بقايا دعوة مخلصة أن يتقبل الله هذا الجهاد ويجعله خالصًا لوجهه.

ودخل التتار المدينة، خائبين، فاشلين، منكسرين، منهزمين، لم يحققوا هدفهم من إذلال هؤلاء الأبطال، ووجدوا بها فيما وجدوا الملك الأشرف قائد هذه الملحمة الخالدة، ولا شك أنهم وجدوه يضحك ملء شدقيه، سعيدًا كل السعادة أن لقن الجيش الذي لا يقهر درسًا، وعلمه أن هناك من يفضل الموت على الحياة، ولا شك أنه سخر بهم واستهزأ بقوتهم، وهددهم وأنذرهم بأن أمامهم مئات المدن مثل (ميا فارقين) ستكسر شوكتهم، وتذلل كبرياءهم، ولا شك أنه قال لهم هذا وأكثر من هذا وغلا بماذا تفسرون هذا الغيظ الذي صبوه عليه، إذ قتلوه أبشع قتلة، إذ كانوا يقطعون من جسده قطعة قطعة، ويدفعونها في فمه حتى مات.

يقينًا وهو يبتسم ساخرًا ومستهزئًا بهم. ثم قطعوا رأسه، وحملوها على رمح، وطافوا به في بلاد الشام ليوزعوا الفزع، ويزرعوا الرعب. وكان يتقدم موكب الرأس مغنون وطبالون، وأخيرًا علقوا الرأس في شبكة بسور دمشق بباب الفراديس. وبقي الرأس بالسور حتى عادت دمشق إلى المسلمين فدفن بمشهد الحسين، داخل باب الفراديس.

استسلمت حلب ودمشق بعد ميا فارقين، وباء الناصر يوسف بالخذلان وسوء الأجدوثة في التاريخ.

هكذا تتعلم الأمم:

سيقول الجبناء: وأي نصر هذا؟ وأين هو؟

ويقول الواقع: خسئ كل جبان، خسئ كل من ينطق بلسان الذل، خسئ كل من يتكلم بلغة الخزي، خسئ كل من يتحدث بمنطق الهوان.

لقد كان هذا الموقف هو مفتاح النصر، لم تضع دماء (ميا فارقين) فأرض بلادي الأمينة أبدًا لا تضيع الدماء الطاهرة، وإنما أنبتت بطولة، وأثمرت رجولة، ومن عجب أن عروق أرضي ممتدة لا تعرف المسافات، ولا تقيم وزنًا لهذه الحدود، قدماء ميا فارقين أنبتت في مصر وأثمرت في (عين جالوت).

ولا يمكن لذي بصيرة أن يقول: إن عين جالوت لم تكن أثرًا من أثار ميا فارقين، سيبقى صمود (ميا فارقين) درسًا خالدًا، تتعلم منه ومن أمثاله أمتي، أن أرض بلادي أحفظ لدماء أبنائها من أمهاتها، وأن ذاكرة أمتي أوعى من كل هذه الآلات والأجهزة التي تلفتها يمينًا أو تلفتها يسارًا.

ودائمًا وأبدًا ستحفظ أرض لكل قطرة دم حقها وتعرف تاريخها. ودائمًا وأبدًا ستحفظ أمتي لكل وقفة قدرها، ولكل كلمة حقها، وتعبها في أعماق ذاكرتها.

(1)(1) الراية القطرية: 20/6/1982م.

د.عبد العظيم الديب