مقالات تاريخية

أخلاق الحضارة أم أخلاق الدين؟

استمعت إلى تمثيلية تليفزيونية باسم (عالم عم أمين) وقد شدتني إليها، فجلست أشاهدها – على غير عادتي – ومع الطابع التوجيهي الوعظي الواضح الذي يكتشفه المشاهد بسهولة، إلا أن أداء (عم أمين) – ولا أدري ما اسمه الحقيقي – ومجموعة الممثلين كان متقنًا، لدرجة تجذب الانتباه، وتجعل المشاهد لا ينفك من أسرهم بسهولة.

من حيث الشكل تقع التمثيلية في خطأ فادح، وهو الانتصار لأخلاق المدينة على أخلاق القرية، فهي تصور (عم أمين) وأسرته في المدينة بصورة زاهية مشرقة، على حين تحط من شأن أسرة أخيه (زاهر) في القرية.

وإنما قلت من حيث الشكل فقط، لأنه من حيث المضمون أختار من قيم المدينة: الاهتمام بالعلم والتعليم، وحسن تربية الأبناء، على الصراحة والثقة بالنفس، ثم القناعة والرضا، وتقدير الأشخاص لذواتهم. وأختار من قيم القرية وأخلاقها: الحرص الشديد على الاقتناء وعلى امتلاك الأرض، والاستبداد بالأبناء، والفزع والخوف على الأملاك، وسوء الظن بكل من يشير إلى المال، أو يرد ما يشير إليه على لسانه، والغفلة والسذاجة… إلخ.

وبالطبع راح ينصر عالم (عم أمين) – عالم المدينة – على عالم القرية. ومما نلاحظه على ذلك:

أن الانتصار لعالم المدينة على عالم القرية مرفوض (شكلاً)، فالقرية دائمًا مصدر الأصالة والعراقة، وعندما نريد علاج بعض آفاتها لا يكون ذلك بوضع المدينة في مقابلها.

أن في هذا التصوير تزييفًا خطيرًا للحقيقة والواقع، فالقيم التي نسبها للمدينة هي – في جملتها – غريبة على المدينة، وهي في الواقع من قيم القرية، فكل من له أدنى صلة بالريف ومن فيه يعرف أن حب الأخ والحدب عليه خلق ريفي وليس – في الغالب – من خلق المدينة، فتصوير (عم أمين) بأنه يحب أخاه ويخاف عليه، في حين يصور أخاه الريفي يمكر به ويكيد له تصوير مقلوب، والعكس هو الصحيح.

ولعل مما يؤكد هذا التزييف وقلب الحقائق، تصوير ابن (زاهر) الريفي وهو يعد على أصابعه عدد البيضات التسع التي أكلها ابن عمه في بيتهم، فالريف يأنف أن يعد ألوان الطعام أو كمياته، ويراه عارًا أي عار، على حين هذا من شيم المدينة التي تعرف العدد بالقطع، لأنها تشتري ما يلزمها من السوق، فلابد أن تعرف عدده لأنها تدفع ثمنه. أما القرية فهي تنتج ما تحتاجه، ولذا ترى أن عه من العار، بل يرون أن تعداده يذهب بركة الرزق.

ربما كان الخلق المدني الوحيد الذي عرضته التمثيلية وهو من أخلاق المدينة أصلاً هو مناقشة المسائل العاطفية مع البنات.

واضح من خط التمثيلية الأساسي أنها تدعو لتحضير القرية وتحويلها في قيمها إلى المدينة، وهذا أيضًا خطأ خطير، وأخيرًا وهو الأهم، وهو الذي من أجله كتبت هذا:

وقف عم أمين يلقي موعظة بليغة عن الكذب، وخطورته، وحقارة شأن الكاذبين وتفاهتهم.. وهذا في الواقع إفلاس (فني)، فحينما يتحول الممثل إلى (واعظ) أو (خطيب) يكون قد اعترف بالفشل، وطبعًا التبعة في ذلك على كاتب النص لا على الممثل، فالمفروض أن الأحداث والوقائع هي التي تنطق بخطورة الكذب وسوء عاقبته.

ومع الخطأ الفني هذا ارتكب كاتب النص خطئًا فكريًا قاتلاً يمثل في تقديري انحرافًا خطيرًا، ذلك أن عم أمين وهو يحذر من الكذب جاء على لسانه: لا، أنا لا أرض أبدًا لابني أن يكذب، الكذب لا يصح من الإنسان المتحضر، السلوك الحضري لا يقبل الكذب، الكذب صفة تحجمها الحضارة، وهكذا تقريبًا. المهم أنه جعل تحريم الكذب بأمر الحضارة، وجعل الكذب صفة مرذولة في عرف الحضارة، وأبدًا لم يرد للدين ذكر في هذا الموقف أبدًا، أي ذكر، مع أنه المتبادر إلى الذهن – وأعتقد أنه يرد إلى الخاطر عفوًا – حث الدين على الصدق، فعدم ذكر الدين هنا أمر مقصود، أمر متعمد، وهو أمر جد خطير، حينما نبدأ نستوحي قيمنا من (الحضارة) ونجعل الحضارة هي المهيمن علينا، ولعل هذا المؤلف المسرحي درس (أوجسنت كونت) الفيلسوف الفرنسي الذي وضع فلسفة للأخلاق سماها (الأخلاق الوضعية)، بل هو بالتأكيد من الذين درسوا مثل هذه النظريات، فأثرت في عقولهم، مع أنها ثبت فشلها عند أهلها أنفسهم.

وإني أسأل السيد المؤلف: ما الحضارة التي تشير إليها؟ ما الحضارة التي تعنيها؟ لابد من تحديد المفهوم لهذه الحضارة التي ترفض من أهلها أن يكذبوا!!

هل هي الزي الأوروبي الأنيق، وإحكام (الكرافتة) وحسن اختيار الألوان والتنسيق بينها، ثم الأكل (بالشوكة) باليد اليسرى، ثم معرفة أصناف السجائر والعطور وماركاتها، وأسماء الممثلين والممثلات؟

أليست الحضارة التي يبشر بها المؤلف العظيم وأنها ترفض الكذب هي التي تبيح واد الشعوب، وتحريق المدن، ونسف البلاد، وسرقة موارد الأمم، وتصدير السموم إليها، والعبث بمقدراتها؟

إن الذين يغترون بلباس هذه الحضارة مثلهم مثل الشمبانزي، حينا يلبس الأسموكن والببيونة ويشرب الشاي ويأكل الجاتوه بالشوكة، إنهم يروضونه على ذلك، ولكنهم أبدًا أبدًا لن يرفعوه لمنزلتهم ولن يحترموه، بل يظل ملهاة ومسلاة لهم، وكذلك (نحن) إذا قبلنا أن ننسلخ من حضارتنا ونجري وراءهم، لن نكون إلا مثل هذا الشمبانزي ملهاة ومسلاة وسخرية.

ثم هل نحن نستحي من الدين؟ إذا قال عم أمين أن الكذب رذيلة ومنقصة بين الناس ومعصية عند الله ومضيعة وخزي في الدنيا وعذاب في الآخرة؟ أليس هذا أبلغ في الإقناع؟ أليست جماهير أمتنا أقدر على استيعاب هذا من التشدق بألفاظ الحضارة؟

أنصح السيد المؤلف أن يمد يده لأي كتاب من كتب الأخلاق التي تتحدث عن النظريات الأخلاقية ليرى أن الإنسانية قد فرغت من هذه القضية حتى أصحاب الحضارة إياها أنفسهم، ورأوا أن مصدر الإلزام الخلقي هو الوحي الإلهي، ومقياس الحكم الخلقي ليس بشريا ولا أرضيًا، ولكنه إلهي سماوي.

إن هذا المؤلف ليس وحده، ولو كان فردًا لهان الأمر، ولكنه نموذج لجيل من المخدوعين المضَلَّلين – بفتح اللام الأولى – وهم مساكين يستحقون العطف والرثاء، فهم يظنون أنهم أوتوا علم الأولين والآخرين، لمجرد أنهم لووا ألسنتهم ببعض المصطلحات الأجنبية، وعدد من الأسماء الأعجمية، فرأوا أنفسهم يعرفون ما لا يعرف غيرهم، ونسوا أنهم لم يعرفوا ما بين أيديهم وما خلفهم، لم يعرفوا ثقافة أمتهم وعلومها وقيمها، وأملي فيهم لو علموا كبير.

إنني أرثي للمربين أو العلماء والدعاة والوعاظ والأدباء، فإن جملة شاردة مثل هذه تهدم كل ما يبنون، فإن أردتم لعملكم ثمرة ولجهودكم أثرًا، فاحذروا من يعفى على آثاركم بالطمس، وعلى عملكم بالهدم، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

*****

(*)(*) الراية القطرية، بتاريخ 1/9/1982م الملحق الأسبوعي.

د.عبد العظيم الديب